الصنم حجر أصم لا يملك صوتا ولا إرادة ولا قوة. كل ما فيه من هيبة هو انعكاس لما نمنحه نحن من خوف وتبجيل وتبرير. ما من صنم نهض وحده، ولا من طاغية علا شأنه إلا وكانت هناك أياد كثيرة تمسك بالإزميل وتنحت له ملامح العظمة.
تأمل الجملة فيها وجع وهذا ينطبق على واقعنا السابق والحالي بلا فرق. بالأمس كانوا ينحتون صنما باسم الزعامة المطلقة، فيصفق السذج ويقولون هذا لمصلحتنا وهذا أفهم منا. واليوم تتكرر المأساة بأقنعة جديدة، فينحت السذج أنفسهم أصناما باسم المقدس والحزبي والمنقذ، ثم يدافعون عنها بضراوة ويتهمون كل من يشك فيها بالخيانة.
الفرق بين الأمس واليوم ليس في جوهر العبودية، بل في زينتها. كان القيد بالأمس ظاهرا واضحا، وأصبح اليوم مغلفا بشعارات الولاء وحب الوطن وعدم التشكيك. ولكن النتيجة واحدة" عقل معطل، وكرامة مرهونة"، ووطن يدور في فلك الحجر.
المصيبة ليست في الحجر نفسه، فالحجر لا يضر ولا ينفع. المصيبة في اليد التي تنحت، وفي العقل الذي يتنازل طوعا عن حريته لأنه يخشى أن يفكر ويتحمل مسؤولية اختياره.
طالما بيننا من يعشق أن يفكر غيره عنه، فستبقى الأصنام تتكاثر. نكسر صنما اليوم، فتنحت الأيدي عشرة غدا.
الحل يبدأ بكسر الإزميل الذي نحمله في أيدينا. يبدأ بأن نسأل، أن نشك، أن نقول لا حين يجب أن تقال. فالأصنام لا تسقط حين نلعنها، بل حين نتوقف عن نحتها.
*أيهما أشد خطرا على الأوطان: صنم الأمس المكشوف، أم صنم اليوم الذي يلبس ثوب المصلحة؟