كتب: احمد علي عبدالله البيتي
تحت ظلال التغيرات المناخية المتسارعة التي تشهدها المنطقة، وفي ظل التحذيرات المتتالية لخبراء الطقس والجيولوجيا، يبرز اسم "وادي الحسوة" ليس كمحمية طبيعية أو شريان حياة، بل كقنبلة موقوتة تهدد بكارثة إنسانية وبيئية غير مسبوقة. إنها صرخة نطلقها اليوم قبل أن يجرف السيل الأخضر واليابس، وقبل أن نتباكى على أطلال الأرواح والممتلكات حين لا ينفع الندم.
جغرافيا الخطر: عندما يتساوى المجرى بالحافة
المتأمل لواقع وادي الحسوة اليوم يصاب بالذهول؛ فالمجرى الطبيعي الذي جعله الله ممرًا آمنًا لتدفق السيول وفائض الأمطار، تحول بفعل فاعل إلى مساحة مسطحة خطيرة. لقد تضافرت العشوائية مع غياب الرقابة والوعي، لتشهد المنطقة ظاهرتين كارثيتين:
1- الزحف العمراني العشوائي: بناء مئات المنازل والمساكن في قلب مجرى السيل مباشرة.
2- ردم المجرى بالمخلفات: إلقاء أطنان من مخلفات البناء والقمامة حتى ارتفع قاع الوادي وأصبح مساويًا للحواف والضفاف التي بجانبه.
هذا التشوه الجغرافي يعني باختصار: أن السيل القادم لن يجد مسارًا ينخفض فيه، بل سيفيض فورًا يمينًا وشمالًا ليجتاح كل ما يمر في طريقه.
أشباح الماضي وتحذيرات الحاضر
التاريخ لا يرحم الغافلين، والذاكرة الجماعية لا تزال تحتفظ بأهوال "السيل الكبير" الذي ضرب المنطقة عام 1982م. في ذلك الوقت، كانت المجاري مفتوحة نسبيًا ومع ذلك كانت الخسائر فادحة. وقبل أعوام قليلة فقط، شهدنا سيلًا وُصف بـ "الصغير"، ومع ذلك كانت النتيجة مأساوية: أُزهقت أرواح بريئة، وتحطمت ممتلكات، واضطرب السيل يمنة ويسرة قبل أن يشق طريقه بالقوة، وكأنه يوجه لنا إنذارًا أخيرًا بأن الطبيعة لا تنسى مجاريها.
اليوم، تغيرت المعادلة تمامًا نحو الأسوأ؛ فالمنازل التي بنيت بالعشرات والمئات في المجرى ستجعل من أي سيل قادم – ولو كان متوسطًا – كارثة محققة تُقاس ضحاياها بالعشرات، أو المئات، بل ربما بالآلاف من الأبرياء.
درس من الواقع:
إن ما حدث في "إعصار درنة" في ليبيا، وما نشهده من سيول جارفة في مكة المكرمة والمناطق المجاورة، ليس منا ببعيد. في كل تلك الكوارث، كان القاسم المشترك واحدًا: المنازل العشوائية التي بنيت في ممرات السيول كانت هي أول الضحايا، وأكبر مسبب لارتداد المياه وتدمير الأحياء المجاورة.
التغير المناخي: عودة الأنهار الجافة
لم يعد الحديث عن الأمطار الغزيرة مجرد تخمينات، بل هو واقع علمي يقر به خبراء الأرصاد والجيولوجيا. شبه الجزيرة العربية، ومن ضمنها اليمن، دخلت بؤرة تحولات مناخية جذرية. هذه التحولات تعني عودة السيول الضخمة إلى المناطق التي جفت لسنوات؛ فالمياه ستعود لتسلك مجاريها القديمة بقوة وعنفوان لا يمكن لمجموعات من البلوك والخرسانة العشوائية أن تقف في وجهه.
إن الشريحة التي استرخصت الأرواح، وتجاهلت ضمائرها، وأغمضت أعينها عن عواقب البناء في بطن الوادي، لا تخاطر بنفسها فحسب، بل تحول المنطقة بأكملها إلى مسرح لجريمة جماعية قادمة.
صرخة أخيرة..
إن الحقيقة التي يجب أن يدركها الجميع هي أنه لو تُرِك مجرى وادي الحسوة مفتوحًا ونظيفًا وعميقًا، فلن يحدث أي ضرر لأي إنسان، لا للذي يسكن بجانبه ولا للمناطق المحيطة به. فالمياه ستمر بسلام إلى مصبها الطبيعي دون أن تريق قطرة دم واحدة.
لذا، فإننا نتوجه بهذا النداء العاجل والمسؤول إلى:
1- الجهات الحكومية والمحلية: بضرورة التدخل الفوري والحازم لإزالة الاستحداثات العشوائية، وتنظيف بطن الوادي وتعميقه فورًا.
2- المواطنين والساكنين: بالاستماع لصوت العقل والضمير، وإخلاء هذه المناطق الخطرة قبل مواسم الأمطار القادمة.
إنها صرخة نطلقها بكل قوة، لإبراء الذمة أمام الله وأمام المجتمع، وللحفاظ على الأرواح والممتلكات.. قبل أن يفوت الأوان ويسجل التاريخ كارثة كان يمكن تفاديها بقرار شجاع.