آخر تحديث :الأحد-14 يونيو 2026-09:18م

أزمة إدارة الدولة والحوكمة المؤسسية

السبت - 13 يونيو 2026 - الساعة 09:58 م
هبة العيدروس


د. هبة عيـدروس


لم تعش اليمن قبل هذه الحرب دون أزمات، وليس صحيحًا اختزال أزمة اليمن في الانقسامات السياسية والنزاع المسلح. فالحقيقة الأكثر إزعاجًا هي أن الحرب لم تكن السبب المباشر والوحيد لانهيار مؤسسات الدولة، بل إنها كشفت هشاشة مؤسسية تجذرت منذ سنوات طويلة ولا تزال آثارها مستمرة حتى اليوم. فالمؤسسات التي تنهار سريعًا عند أول اهتزاز كبير للسلطة غالبًا تكون مؤسسات تعاني من أمراض مزمنة، مثل: المحسوبية، وشبكات النفوذ، وتغييب الكفاءة، وتحويل الوظيفة العامة من مسؤولية وطنية إلى غنيمة تتنازعها القوى المتصارعة.


وانطلاقًا من ذلك، لا يمكن الحديث عن إصلاح حقيقي في اليمن دون إخضاع جميع مؤسسات الدولة لمبادئ الحوكمة: السلطة القضائية، الجامعات، الأجهزة الرقابية، الهيئات واللجان الوطنية، فضلًا عن الحكومة نفسها، دون استثناء لأي مؤسسة، حتى وإن كانت هي الجهة المناط بها تنفيذ الإصلاح.


وفي هذا السياق، لا تكمن أزمة الدولة في ضعف الموارد أو آثار الحرب وحدها، إنما في نمط الإدارة الذي ساد لعقود طويلة. فقد تحولت مؤسسات عديدة إلى شبكات مغلقة تُدار بمنطق الولاء الشخصي، أو العائلي، أو المناطقي، أو السياسي بدلًا من أن تُدار وفق معايير الكفاءة وسيادة القانون. ولعل أبرز مظاهر هذه الأزمة أن السؤال الذي يُطرح عند تعيين مسؤول جديد غالبًا لا يكون: "هل هو الشخص الأنسب للمنصب؟، إنما: إلى أي جهة ينتمي؟ أو لمن يدين بالولاء؟".

مع الأسف المرير، أن هذه حقيقة باتت معروفة ومشاهدة في مراحل مختلفة من تاريخ الدولة، ماضيًا وحاضرًا.


ونتيجة لذلك، أُقِصيت تدريجيًا الكثير من الكفاءات المستقلة، وحلَّ محلّها أشخاص اختيروا على أساس الولاء، المحاصصة السياسية والانتماءات الضيقة. ومع مرور الوقت، أصبحت مؤسسات الدولة عاجزة عن اتخاذ قرارات مهنية مستقلة خارج حسابات النفوذ والمصالح.


ومع ذلك، لا يمكن إنكار وجود آلاف الموظفين والمسؤولين الشرفاء الذين حاولوا أداء واجباتهم بضمير مهني رغم صعوبة الظروف. غير أن المؤسسات لا تُدار بالنوايا الحسنة فقط، بل بمنظومات رقابة ومساءلة فعّالة تضمن حسن الأداء واستدامته.

وعندما تغيب هذه المنظومات، تتحول السلطة الإدارية تدريجيًا إلى مساحة مفتوحة للمصالح الشخصية، فتظهر ممارسات أضعفت مفهوم الدولة ومؤسساتها، من بينها التعيينات العائلية، الولائية، والمناطقية في المناصب الحساسة، وتحويل الوظائف العامة إلى مكافآت سياسية، واحتكار المناصب في أشخاص أو فئات محددة، وإقصاء الكفاءات المستقلة باعتبارها غير مضمونة الولاء، فضلًا عن استخدام المال العام لبناء شبكات نفوذ شخصية، وإفراغ القوانين من مضمونها عبر الاستثناءات والتدخلات غير المشروعة.


وبناءً على ما سبق، يصبح هذا التساؤل مشروعًا: لماذا عجزت مؤسسات الدولة عن تنفيذ إصلاحات حقيقية؟

تكمن الإجابة في أن أي إصلاح جاد وحقيقي يصطدم ببنية متجذرة تستفيد من استمرار الوضع القائم، فهناك أطراف حققت مكاسب سياسية ومالية من بقاء المؤسسات هشة، لذلك لا تجد مصلحة في تغيير الواقع القائم.

والأخطر من ذلك، أن بعض مؤسسات الدولة تحوّلت عمليًا إلى ما يشبه "المِلكِية غير المعلنة"، حيث يجري التعامل معها باعتبارها مناطق نفوذ خاصة: هذه الوزارة لهذا الطرف، وتلك المؤسسة لتلك الجماعة، وهذه الهيئة تحت تأثير ذاك المتنفذ أو المسؤول الأعلى، بينما تُخصص الوظائف للعائلة وأصحاب الولاء والمحسوبية.

وعند هذه النقطة، تتحول الدولة من كيان عام يخدم المجتمع إلى شبكة مصالح مغلقة تدافع عن نفسها ضد أي محاولة للإصلاح. بل إن بعض المسؤولين باتوا ينظرون إلى الكفاءات المستقلة باعتبارها تهديدًا لمراكز النفوذ القائمة، بدلًا من اعتبارها فرصة لتحسين الأداء المؤسسي.


أما إذا استمر هذا الواقع دون معالجة جذرية، فإن النتائج ستكون أكثر خطورة، في مقدمتها استمرار تآكل الثقة بالدولة والقانون، زيادة في هجرة الكفاءات والعقول إلى الخارج، واتساع نطاق الفساد وتجذره أكثر مما يجعله يصبح سلوكًا اعتياديًا، وتدهور الخدمات العامة كما هو قائم، وتحويل المناصب العامة إلى أدوات نفوذ بدلًا من كونها مواقع خدمة عامة، فضلًا عن تقويض فرص بناء دولة مدنية حديثة حتى في حال انتهاء الحرب.


لذلك، فإن إعادة بناء الدولة تتطلب حزمة متكاملة من الإصلاحات، تبدأ بتطبيق رقابة مستقلة وفعّالة على جميع مؤسسات الدولة دون استثناء، وترسيخ مبدأ الشفافية في التعيينات، العقود، الإنفاق العام، وسن تشريعات واضحة تجرّم المحسوبية، تضارب المصالح واستغلال النفوذ، مع توفير الحماية القانونية للمبلغين والكفاءات المستقلة من الانتقام السياسي والإداري، وإعادة بناء الوظيفة العامة على أساس الجدارة والاستحقاق، وفصل النفوذ السياسي، العائلي، والعسكري عن القرار الإداري والمؤسسي.


ويمكن القول: إن الحرب لم تدمر اليمن بمعزل عن غيرها من العوامل، بل جاءت لتكشف وتفاقم اختلالات تراكمت عبر عقود من الإدارة المفتقرة للحوكمةالمؤسسية.


بالتالي، فإن أي تسوية سياسية أو مشروع لإعادة الإعمار أو خطة إصلاح لن تحقق أهدافها ما لم يُعترف أولًا بجذور الأزمة المؤسسية التي تعاني منها الدولة في اليمن . فلا خيار ثالث لها من هذين الخيارين : إما بناء دولة مؤسسات حقيقية تقوم على القانون والكفاءة والمساءلة والشفافية، أو الاستمرار في الدوران في حلقة مفرغة لسنوات أخرى، حيث تتغير الوجوه والشعارات بينما تبقى أسباب الأزمة قائمة دون تغيير.