آخر تحديث :السبت-13 يونيو 2026-09:50م

في يوم الصحافة اليمنية.. لماذا تراجعت الصحافة المستقلة وكيف يمكن دعمها؟

السبت - 13 يونيو 2026 - الساعة 05:27 م
موسى العيزقي


في الوقت الذي نحيي فيه يوم الصحافة اليمنية، تبدو الحاجة ملحة للحديث عن الصحافة المستقلة، باعتبارها أحد أهم الضمانات لوجود إعلام مهني يضع مصلحة المواطن والوطن فوق أي اعتبارات أخرى.

والصحافة المستقلة، ببساطة، هي الصحافة التي لا تخضع لتوجيه الأحزاب أو الجماعات أو مراكز النفوذ، ولا ترتبط بسياسات الممولين، بل تعتمد على المهنية والموضوعية والاستقلالية في تناول القضايا المختلفة، وتسعى لخدمة المجتمع ونقل الحقيقة كما هي.

ومن واقع تجربتنا في "الحياة اليمنية"، كان لنا شرف خوض واحدة من التجارب الصحفية المستقلة في اليمن. ففي العام 2009 أسسنا صحيفة الحياة اليمنية الورقية كأول صحيفة مستقلة شاملة تصدر من محافظة إب وتوزع في عدد من المحافظات اليمنية بترخيص رسمي من وزارة الإعلام.

وكان الحفاظ على الخط المستقل والمهني للصحيفة هدفنا الأساسي منذ البداية، مع اعتماد شبه ذاتي على إمكانياتنا المحدودة. كانت تجربة مدهشة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، فقد استطعنا خلال فترة وجيزة أن نحقق حضوراً لافتاً، رغم أن كثيراً من الزملاء وقتها كانوا يعتقدون أننا لن نستطيع إصدار العدد الثاني.

لكن الحياة اليمنية واصلت طريقها، ووصلت إلى ما يقارب أربعين عدداً. وخلال تلك الفترة تلقينا عروض دعم وتمويل من أحزاب رئيسية في المحافظة، إلا أننا رفضناها جميعاً خوفاً من أي تدخل محتمل في سياسة الصحيفة وخطها التحريري المستقل.

واعتمدنا بدلاً من ذلك على بعض الشركاء التجاريين من خلال الإعلانات، إلى جانب مبيعات النسخ، وهو ما ساعد الصحيفة على النمو بشكل مطرد والاستمرار رغم التحديات.

وفي العام 2014 بدأنا الاستعداد لإطلاق النسخة الإلكترونية إلى جانب الصحيفة الورقية، لكن الأحداث التي شهدتها بلادنا أواخر ذلك العام وما تلاها من صراعات وحروب أدت إلى إغلاق النسخة الورقية. وأذكر أننا اضطررنا إلى تسريح فريق العمل وبيع الأثاث والمعدات من أجل طباعة آخر عدد ورقي.

وكالعادة، كانت الصحافة إحدى ضحايا الحروب والصراعات. ورغم أنه كان بإمكاننا سلوك مسارات أخرى تضمن الاستمرار بأي ثمن، فإن إيماننا بأهمية الصحافة المستقلة جعلنا نفضل الإغلاق على التنازل عن المبادئ التي قامت عليها الصحيفة.

واليوم، وبعد سنوات من الحرب والانقسام، نلاحظ أن الصحافة المستقلة اليمنية تكاد تكون شبه منعدمة إلا ما ندر. فقد تشتت الصحفيون، وذهب كثير منهم إلى الجهات التي توفر فرص العمل والتمويل، وأصبح الولاء في بعض الحالات لمن يدفع، بينما تراجع حضور المواطن والوطن في سلم الأولويات.

ولكي نكون منصفين، فإننا لا نلوم كثيراً من الصحفيين الذين وجدوا أنفسهم أمام ظروف اقتصادية ومعيشية قاسية، لكن المشكلة الحقيقية تكمن في غياب دور فاعل وحقيقي من أي جهة قادرة على انتشال هذا القطاع الحيوي من أزمته.

إن الصحافة المستقلة اليوم بحاجة إلى آليات دعم وشراكات مستدامة لا تتدخل في المضمون التحريري، بقدر ما تساعد الصحف ووسائل الإعلام المستقلة على الاستمرار والبقاء وأداء رسالتها المهنية والمجتمعية. كما أن الحاجة باتت ملحة لإيجاد صناديق دعم مستقلة، وبرامج تدريب وتأهيل، ومشاريع إعلامية تضمن الحد الأدنى من الاستقرار للعاملين في هذا القطاع.

وفي يوم الصحافة اليمنية، فإن إعادة الاعتبار للصحافة المستقلة لم تعد ترفاً، بل ضرورة وطنية. فالمجتمعات لا يمكن أن تتطور دون إعلام حر ومسؤول، والصحافة التي تفقد استقلاليتها تفقد تدريجياً قدرتها على الرقابة وكشف الحقائق والدفاع عن مصالح الناس.

ويبقى الأمل قائماً في أن تستعيد الصحافة اليمنية شيئاً من عافيتها، وأن تتوفر بيئة تتيح عودة التجارب المستقلة وتطويرها، حتى تظل هذه المهنة العظيمة قادرة على أداء رسالتها في خدمة المجتمع والوطن.

وربما تكون أفضل طريقة للاحتفاء بيوم الصحافة اليمنية اليوم، هي العمل الجاد من أجل بقاء صحافة مستقلة تستطيع أن تخدم المجتمع وتراقب السلطة وتدافع عن حق الناس في المعرفة، بعيداً عن الاستقطاب والتبعية.