لأكثر من عقد ونصف من الزمن، لم تعد أزمة الكهرباء في عدن حدثاً طارئاً او موسماً عابراً، بل تحولت الى معاناة يومية ممتدة تثقل كاهل المواطنين على مدار العام. ومع حلول الصيف واشتداد الحرارة، تتفاقم الأزمة وتتضاعف آثارها، بينما تتجدد الوعود الحكومية وتطرح الخطط الإسعافية التي تخفف جزئياً من حدة الوضع دون أن تمس جوهر المشكلة. وهكذا يبقى المواطن الخاسر الأكبر في معادلة فشل متكرر، يتحمل كلفة الانقطاعات المزمنة وما تخلفه من اعباء اقتصادية و تبعات صحية ونفسية، فيما تظل الكهرباء عنواناً لأزمة تتجاوز نقص الوقود الى اختلالات اعمق في الإدارة والتخطيط.
والحقيقة أن أزمة الكهرباء لا يمكن اختزالها في توفير الوقود لمحطات التوليد، رغم أن تشغيلها بصورة عاجلة يظل ضرورة إسعافية لا غنى عنها لتخفيف معاناة الناس. فالمشكلة في جوهرها منظومة مترابطة تبدأ بالانتاج ولا تنتهي عند المستهلك، وتتعثر في كل حلقة من حلقاتها.
وخلال السنوات الماضية، شهدت عدن توسعاً عمرانياً سريعاً وظهور أحياء ومدن جديدة، بعضها مخطط وكثير منها عشوائي، دون أن يقابله تطوير موازٍ لشبكات النقل والتوزيع أو رفع القدرة الاستيعابية للمحطات. وفي الوقت ذاته، يتسرب جزء كبير من الاستهلاك خارج المنظومة الرسمية بفعل غياب العدادات او التوصيلات غير القانونية، ما يؤدي الى نزيف مالي يضعف قدرة القطاع على الاستمرار.
وفي مقابل التزام شريحة من المواطنين بالسداد، تستمر فجوة التحصيل في الاتساع داخل مناطق ومنشآت مختلفة، ما يجعل اي اصلاح حقيقي رهيناً بإعادة ضبط منظومة العدادات، وتوسيع استخدام العدادات الذكية، والزام القطاعات التجارية والسياحية والمجمعات السكنية الجديدة بالدفع وفق نظام عادل وشفاف يطبق على الجميع دون استثناء. كما أن اعتماد شرائح استهلاك متدرجة للاستخدام المنزلي يمثل أداة مهمة لترشيد الاستهلاك وتحقيق قدر من العدالة في توزيع العبء.
غير أن اخطر ما يواجه هذا القطاع يتمثل في الفساد الذي تراكم عبر سنوات طويلة في عقود الوقود والمناقصات وعمليات التشغيل والصيانة، وما نتج عنه من مصالح استفادت من استمرار الأزمة بدلاً من حلها. وفي المقابل، دفع المواطنون كلفة هذا الاختلال عبر اللجوء إلى بدائل مكلفة من الطاقة الشمسية والبطاريات والمولدات الخاصة لتعويض غياب الخدمة العامة، ما يجعل اصلاح المنظومة شرطاً حتمياً لاي تغيير حقيقي.
أما الحل المستدام فيتطلب رؤية تتجاوز ادارة الأزمة الى اعادة بناء القطاع، عبر تأهيل المحطات المتوقفة، وتطوير شبكات النقل والتوزيع، وتقليل الفاقد، ورفع كفاءة الإدارة وفق معايير مهنية وشفافة. فالكهرباء ليست أزمة وقود، بل أزمة ادارة شاملة وحوكمة غائبة.
إن نجاح اي معالجة لن يقاس بزيادة ساعات التشغيل المؤقت، بل بقدرتها على تفكيك الاسباب التي صنعت الأزمة وابقتها ممتدة. فالأزمات لا تختبر كفاءة الحكومات وحدها، بل تكشف ايضاً صبر الشعوب، واقسى ما فيها حين يصبح المواطن هو من يدفع ثمن اخطاء لم يشارك في صنعها، واخفاقات لم يكن طرفاً فيها.