آخر تحديث :الخميس-11 يونيو 2026-09:13م

الوظيفة العامة .. في خدمة الشعب ..!!

الخميس - 11 يونيو 2026 - الساعة 03:35 م
إبراهيم ناصر الجرفي


بدايةً وكمسلمة متعارف عليها عالميا عبر التاريخ البشري ، أن الموظف او المسئول الحكومي أجير عند الشعب ، فهو يتقاضى مرتباته مقابل تلك الخدمة ، وكلما ترقى في سلم الوظيفة الحكومية العامة كلما زادت مسئولياته وزادت مساحة خدمته للشعب ، لكن للأسف هناك فهم خاطئ لذلك في بعض المجتمعات وخصوصا المتخلفة منها ، حيث يتم التعامل مع الموظف أو المسئول الحكومي بصورة مغايرة تماما لتلك الحقيقة والمسلمة ، حيث يصبح الشعب في خدمة الموظف أو المسئول ، وحيث ينظر إلى الاعمال والخدمات التي يقدمها والتي هي من ضمن مسئولياته ومهامه على أنها فضل منه ، واذا بالمطبلين والمتملقين والمتمصلحين يبالغون في المدح والثناء على ذلك المسئول وكأنه انجز ذلك العمل من ماله الخاص ، أو بمبادرة خاصة منه ، ما يظهر حالة الجهل وسوء الفهم التي تعيشها المجتمعات المتخلفة ، والتي تحول المسئول الحكومي من خادم للشعب إلى صاحب فضل على الشعب ، وتصنع حوله هالات من التعظيم وكأنه قد أنجز ما عجز عن انجازه السابقين واللاحقين ، وكأنه فلتة ومعجزة الزمان التي لن يأتي الزمان بمثلها ..!!


إن سوء التقييم وعدم وضع الأمور في نصابها الصحيح ، ينتج عنه مثل هذه الاختلالات المنهجية والفكرية في كل مجالات الحياة ، ويترتب عنها تغيير المفاهيم ، فخادم الشعب يتحول نتيجة ذلك إلى متحكم بالشعب ، ومع مرور الأيام يتحول إلى طاغية ومستبد يبني حوله الابراج العاجية والأسوار العالية التي تجعل الوصول إليه صعب المنال ، ويؤلف حوله فرق من الاعلاميين والمطبلين والمتمصلحين الذين لا يتوقفون عن مدحه والثناء عليه وصناعة هالات من البطولة حوله ، عند كل شاردة وواردة ، وبهذا الشكل يتم صناعة الطغاة في كل المجتمعات المتخلفة حول العالم ، فالشعوب الجاهلة والمتخلفة والمنبطحة هي من تصنع الطغاة والفراعنة في كل زمان ومكان ..!!


بينما الشعوب المتقدمة والمتحضرة والواعية تنظر إلى المسئولين الحكوميين من أسفل الهرم الحكومي إلى أعلاه على أنهم مجرد أجراء وعمال عند الشعب ، توظفوا في هذه المناصب والمواقع ليخدموا الشعب ، وليس لهم فضل في الخدمات التي يقدمونها للناس فهي مقابل المرتبات والامتيازات التي يأخذونها من الخزينة العامة مقابل ذلك ، فالادراك الصحيح للمفاهيم يضع الأمور في مكانها المناسب ، ويبعد عن العقول المزايدات والتهويلات والمبالغات ، ويجعلها تضع المقاييس الحقيقية لكل ما يدور حولها ، واذا كان هناك من يستحق الفضل والثناء والمدح فهم العلماء والمخترعون والمفكرون فهم من صنعوا المعجزات وابتكروا الاختراعات التي غيرت حياة البشرية من الظلام إلى النور ، ومن العذاب والشقاء إلى الرفاهية ، ومن عناء السفر إلى ركوب الطائرات والمواصلات ، ومن بعد المسافات ومشقة التواصل إلى تقنية وتكنولوجيا الاتصالات المباشرة صوت وصورة في كل مكان في العالم وغيرها الكثير ، فهؤلاء هم من قدموا الخدمات العظيمة للبشرية ، وهم من يستحقون المدح والثناء والشكر ، أما من يقوم بعمله الوظيفي مقابل الاجر والمرتب فهو موظف لدى الشعب وخادم عند الشعب ، بل ومن الواجب محاسبته ومعاقبته في حال تقصيره واهماله في القيام بالمسئوليات والواجبات الملقاة على عاتقه ، وعلى المطبلين والمتململقين والمتمصلحين في كل زمان ومكان التوقف عن النفخ والتطبيل لكل مسئول أو موظف يقوم ببعض واجباته ، ويجب توعية الشعوب المتخلفة بهذه المفاهيم والقيم ، والتوقف عن صناعة هالات التضخيم والتعظيم للمسئولين الحكوميين ، فهم موظفون عموميون ، وعملهم خدمة الشعب والسهر في توفير احتياجات ومتطلبات المواطنين كلا حسب موقعه ووظيفته ، وما صفات التبجيل والتعظيم التي يتم وضعها أمام المسئولين كأصحاب الفخامة والسمو إلا تضليل واستغلال سلبي للوظيفة العامة ..!!


ولو يتم التعامل مع المسئولين الحكوميين بالصورة الصحيحة وأنهم مجرد موظفين وعمال لدى الشعب وعملهم خدمة الشعب ، لتوقف هؤلاء المسئولين عن ممارسة اساليب الاستعلاء والفوقية التي يتعاملون بها مع المواطنين ، ولأدركوا حجمهم الطبيعي ، فهم يتعاطون مرتباتهم وامتيازاتهم الوظيفية من الضرائب والاتاوات التي يدفعها هذا المواطن ، فاذا كان هناك فضل لأحد على أحد ، فهو للمواطن على الموظف والمسئول الحكومي ، وعلى كل مواطن أن يفهم جيدا أنه صاحب الفصل على كل المسئولين أو الموظفين الحكوميين ، فمن جيبه ومن الاموال التي يدفعها للدولة يتقاضون مرتباتهم ويحصلون على امتيازاتهم الوظيفية والمالية ، ويجب أن تبقى المعاملة الطيبة والاخلاقية هي السائدة بين الطرفين ، وما يتير الاشمئزاز والسخط هو تعامل بعض الموظفين والمسئولين الحكوميبن بعنجهية وغطرسة وغرور مع المواطنين ، لذلك على المسئولين والموظفين الحكوميين خلع رداء التكبر والغرور والغطرسة والعنجهية ولبس رداء التواضع والاخلاق الطيبة خلال ادائهم لواجبتهم الوظيفية وتقديم الخدمات للمواطنين ، وعلى المسئول الحكومي التواجد في مكان عمله للقيام بواجباته ، فصناعة الابواب المغلقة والسكرتاريات دليل فشل وعجز وغرور وليس دليل نجاح وثقة ، فالمسئول الناجح والمتمكن من عمله هو من يفتح الابواب أمام المواطنين وهو من يستقبلهم ويحل مشاكلهم وينجز معاملاتهم ، فهذا واجب عليه وليس له فضل في ذلك ، فهو في نهاية المطاف موظف حكومي وأجير عند الشعب ..!!