م. عبدالناصر صالح ثابت
في الحروب، یعتاد الناس الخوف، لكنھم لا یتوقعون أن یعتادوا العبث. وحتى أكثر المتشائمین سوداویة لم
نظن أن الأزمة بلغت ذروتھا، فإذا بھا تتمخض لتلد أزماتٍ بكرًا، كلُّ واحدةٍ أشدُّ قسوةً وتعقیدًا من سابقتھا. یتخیل أن یصل الیمن إلى ھذا الواقع؛ واقعٌ فاق أكثر السیناریوھات تشاؤمًا. فعلى امتداد أكثر من عقد، كنا
لم یعد السؤال الیوم: كیف نخرج من الحرب؟ بل: من أي حربٍ سنفلت أولاً؟ أمن الجبھات العسكریة
اللاھبة، أم من الدھالیز السیاسیة الماكرة، أم من مقصلة الاقتصاد الطاحنة؟ أم من حرب الخدمات والإذلال
الیومي التي یخوضھا المواطن كل صباح، بحثًا عن راتب، أو كھرباء، أو ماء، أو دواء، أو أسطوانة غاز
یطھو بھا قلیلاً من الأمل؟
لا في الشمال ولا في الجنوب، كان أحد یتصور أن یصل بنا الحال إلى ھذا التشظي؛ طاولات متفرقة،
وحسابات إقلیمیة ضیقة، وقرارات أممیة – وعلى رأسھا القرار (2216) – تحولت مع مرور الوقت من
«خارطة طریق» إلى قطعة أثریة تُعرض في متاحف الدبلوماسیة، تُستخدم لشرعنة العبث وإطالة أمد
الانتظار، بینما یظل المواطن ھو الثابت الوحید، والمشترك الأوحد، في معادلة الخسارة المطلقة.
كل طرف یعلن أنھ یحمل صك الإنقاذ ومفاتیح الفرج، بینما المواطن لا یحمل إلا ھمَّ یومھ، ویعد خسائره
بصمت. فبعد أكثر من عقد، تحولت المأساة إلى أرخبیل من الأزمات المركبة؛ أزمة ثقة، وأزمة إدارة،
واقتصاد ینزف، وھویة تتجاذبھا الاستقطابات، وكأن الزمن لا یمضي بنا نحو الحل، بل یدور في حلقة
مفرغة، یضیف في كل دورة طبقة جدیدة من التعقید والتفتیت فوق كل طبقة سابقة.
ربما لم نصل إلى نھایة المشھد بعد، لكن المؤكد أننا شھدنا محطات مخیفة كنا نظنھا یومًا من مستحیلات
الاستثناء ھو الأمل، ویغدو الحلم الأكبر للإنسان البسیط أن یعیش یومًا عادیًا بكرامة، بلا خوف ولا إذلال. الواقع. والخوف الحقیقي لیس من استمرار الأزمة، بل من «تطبیع المعاناة» وبلادة الاعتیاد، حتى یصبح
وقبل نھایة المشھد، تتضح الحقیقة العاریة: لا أحد خرج منتصرًا؛ الجمیع خاسرون، وإن تفاوتت أحجام
بالخراب وشعبًا ممزقًا قد تعجز أجیال عن ترمیم انكساراتھ. الخسارة، بینما یستعد الفاعلون الدولیون لأن ینفضوا أیدیھم من الحكایة، مخلِّفین وراءھم أرضًا مثقلة
إن المشھد الأخیر سیكون بالغ القسوة والإیلام إن لم یتعلم الیمنیون من خطایا ھذه السنوات ومآسیھا.
فالمخرج الحقیقي لن یأتي بطوق نجاة من الخارج، بل بإرادة وطنیة تمتلك شجاعة معالجة جذور الأزمة،
وفي مقدمتھا القضیة الجنوبیة باعتبارھا مدخلاً رئیسیًا للاستقرار وبناء سلامٍ دائم. وعندھا فقط، قد تستعید
بقولھ: «أتاكم أھل الیمن، ھم أرق أفئدة وألین قلوبًا، الإیمان یمانٍ الیمن حكمتھا التي باركھا رسول الله
والحكمة یمانیة». فھل تُبعث الحكمة من ركام المأساة قبل أن یُسدل الستار؟