كتب/ يسلم الحفشاء:
لسنوات طويلة، ظلت الحكومة الشرعية تردد في وسائل الإعلام والمنابر السياسية أن المجلس الانتقالي الجنوبي هو العائق الأكبر أمام التنمية والخدمات، وأن وجوده في المحافظات الجنوبية يقف حجر عثرة أمام استقرار الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، حتى بات المواطن البسيط يترقب اليوم الذي تزول فيه الخلافات السياسية ليعيش حياة كريمة تتوفر فيها أبسط الخدمات الأساسية.
واليوم، وبعد أن أصبحت الساحة الجنوبية شبه خالية من نفوذ المجلس الانتقالي، وبعد أن انحصرت السلطة بيد الشرعية المدعومة من المملكة العربية السعودية والتحالف، كان المواطن ينتظر مرحلة جديدة عنوانها الكهرباء المستقرة، والمياه المتدفقة، والوقود المتوفر، والعملة المتماسكة، والرواتب المنتظمة، والحياة الآمنة التي طالما وُعد بها.
لكن ما الذي حدث؟
ارتفعت أسعار الديزل إلى أرقام مرعبة تجاوزت خمسة وأربعين ألف ريال، وقفز سعر البترول إلى حدود الثلاثين ألف ريال، بل وصل الأمر إلى انعدام مادتي الديزل والبترول في كثير من الأوقات، وإن توفرت فإنها تتوفر بكميات محدودة ولساعات قصيرة ثم تختفي لأيام طويلة، خصوصاً في المديريات الجنوبية بمحافظة شبوة، في مشهد يكشف حجم الأزمة التي يعيشها المواطن يومياً.
وفي المقابل، تتسع معاناة الناس يوماً بعد آخر، وتتضاعف ساعات انقطاع الكهرباء، وتتدهور الخدمات بصورة لم يعد المواطن قادراً على احتمالها، بينما تقف الجهات المسؤولة عاجزة عن تقديم أي حلول حقيقية تنهي هذا الانهيار المستمر.
لقد كان الشارع الجنوبي يعتقد أن غياب الانتقالي سيكشف مرحلة من الازدهار والتنمية، فإذا بالواقع يكشف حقيقة أكثر قسوة، وهي أن الأزمة أعمق من شماعة سياسية ظلت تُعلق عليها كل الإخفاقات.
المواطن اليوم يتساءل بمرارة: أين هي الشرعية التي وعدت الناس بالخدمات؟ وأين هي الحكومة التي تحدثت عن التنمية والاستقرار؟ وأين ذهبت الوعود التي رسمت للناس صورة الجنوب المزدهر بمجرد إبعاد خصومها السياسيين؟
لقد اتضح أن المشكلة لم تكن في طرف بعينه، بل في غياب الدولة الحقيقية، وغياب الإدارة القادرة على انتشال الناس من دوامة الانهيار، وفي الارتهان الكامل للخارج، حتى أصبحت القرارات السيادية مرتبطة بحسابات التحالف ومصالح القوى الدولية أكثر من ارتباطها بمعاناة المواطن الجنوبي البسيط.
إن أبناء الجنوب لم يكونوا يوماً ضد الاستقرار أو التنمية، بل كانوا يحلمون بوطن يوفر لهم أبسط مقومات الحياة، لكنهم وجدوا أنفسهم أمام واقع تتآكل فيه الخدمات، وتنهار فيه العملة، ويُترك المواطن وحيداً يصارع الفقر والجوع والحرمان.
ووسط هذا المشهد القاتم، تزداد القناعة الشعبية بأن تبادل الاتهامات لم يعد يجدي نفعاً، وأن استخدام الخصوم السياسيين كمبرر للفشل لم يعد مقنعاً لأحد، فالمواطن لا تعنيه الصراعات بقدر ما تعنيه لقمة العيش، والكهرباء، والماء، والتعليم، والصحة، والأمن.
لقد آن الأوان لأن تدرك الشرعية والتحالف أن الشعوب لا تُدار بالشعارات، وأن كرامة الناس لا يمكن أن تبقى رهينة للصراعات الإقليمية والدولية، وأن الجنوب الذي صبر كثيراً يستحق حياة أفضل من هذا الواقع المؤلم.
فالتاريخ لا يرحم، والشعوب لا تنسى من وعدها بالحياة ثم تركها تغرق في المعاناة.