آخر تحديث :الأربعاء-22 يوليو 2026-01:40ص

وطنٌ ينتظر الفجر منذ سنوات

الإثنين - 08 يونيو 2026 - الساعة 10:12 م
أ. سارة عبدالحكيم


ليس أشد قسوة من ظلام الليل، إلا أن يصبح الظلام أسلوب حياة.

في ارضي لم تعد أزمة الكهرباء خبرًا طارئًا، ولا مشكلة موسمية ترتبط بحر الصيف أو برد الشتاء، بل تحولت إلى واقع ثقيل يرافق المواطن أينما ذهب، ويقتحم تفاصيل يومه دون رحمة. هنا لا ينتظر الناس شروق الشمس فقط، بل ينتظرون عودة الضوء إلى منازلهم، إلى أعمالهم، إلى أحلامهم التي أنهكتها سنوات الانقطاع.

ما أقسى أن يصبح النور أمنية، وأن تتحول أبسط الخدمات إلى رفاهية بعيدة المنال. فبين جدران البيوت المظلمة تُروى حكايات لا يسمعها أحد؛ طالب يطارد حلمه على ضوء شمعة، وأم تحاول أن تخفف عن أطفالها حرارة خانقة، ومريض يواجه الليل بأوجاعه دون وسيلة تعينه على الاحتمال.

الكهرباء ليست مجرد تيار يسري في الأسلاك، بل شريان حياة. وحين ينقطع هذا الشريان، تتعطل أشياء كثيرة لا تُرى بالعين: تتراجع فرص التعليم، وتزداد الأعباء الاقتصادية، وتتآكل قدرة الإنسان على الصبر شيئًا فشيئًا. فالعتمة لا تطفئ المصابيح فقط، بل تحاول أن تطفئ ما تبقى من طمأنينة في النفوس.

والمؤلم أكثر أن المواطن لم يعد يسأل متى تُحل المشكلة، بل أصبح يتساءل: هل يسمع أحد هذا الوجع أصلًا؟ وهل يدرك أصحاب القرار أن خلف كل ساعة انقطاع معاناة حقيقية يعيشها ملايين الناس؟ وأن خلف كل منزل مظلم قصة صبر طويلة لا تظهر في التقارير ولا تُقاس بالأرقام؟

لقد اعتاد اليمني أن يصنع الأمل من قلب المعاناة، وأن يقاوم الظروف مهما اشتدت، لكنه ليس مطالبًا أن يقاوم كل شيء وحده. فمن حقه أن يعيش حياة كريمة، ومن حق أطفاله أن يروا النور دون انتظار، ومن حق هذا الوطن أن يخرج من دائرة الأزمات التي استنزفت أعمار أبنائه.

إن الأمم لا تُقاس بما تملكه من ثروات فحسب، بل بما توفره لمواطنيها من كرامة وخدمات واستقرار. والكهرباء ليست مطلبًا ثانويًا يمكن تأجيله، بل حق أساسي يرتبط بحياة الناس ومستقبلهم.

سنبقى ننتظر الفجر، لكن الفجر الحقيقي ليس ذلك الذي يشرق في السماء كل صباح، بل ذلك الذي يشرق في واقعنا حين تتحول الوعود إلى أفعال، والخطط إلى إنجازات، والعتمة إلى ذكرى من الماضي.

فالوطن الذي صبر كل هذه السنوات يستحق أن يرى الضوء من جديد.

"ليس من حق المواطن أن يطلب المستحيل، بل من حقه أن يعيش في وطن لا يكون فيه الضوء حلمًا." ✍️