لم يعد ما يحدث مجرد فشل اقتصادي عابر، ولا سوء إدارة يمكن تبريره بالأزمات والحروب والظروف المعقدة، بل أصبح واضحًا أن ما يُمارَس بحق الناس هو مشروع إذلال ممنهج، تُستخدم فيه لقمة العيش كسلاح، ويُحوَّل فيه الجوع إلى أداة حكم، ويُدفع المواطن دفعًا نحو الانكسار النفسي قبل المعيشي.
فكل القرارات الأخيرة — من رفع الرسوم والجمارك والضرائب وتعويم الأسعار — لم تأتِ لإنقاذ الاقتصاد كما يزعمون، بل جاءت لتُكمل ما تبقى من عملية سحق المواطن. وكأن السلطة لم يعد يهمها بقاء الناس بقدر ما يهمها استمرار ماكينة الجباية والنهب ولو فوق جماجم الجائعين.
أي منطق هذا الذي يجعل شعبًا ينهار تحت الفقر والبطالة وانعدام الخدمات، ثم يُطلب منه أن يدفع أكثر؟!
وأي وقاحة سياسية تلك التي تجعل من المواطن آخر من يُفكَّر فيه، وأول من يُذبح عند كل أزمة؟!
الحقيقة التي يحاول الكثير الهروب منها أن من لا يملك شرف الانتماء الحقيقي للأرض، ولا يعرف معنى الوطن، ولا يشعر بكرامة الإنسان، لن يرى في الشعوب إلا مصدر دخل، ولن يرى في الدولة إلا مزرعة خاصة تُنهب ثرواتها حتى آخر قطرة.
ولهذا تحولت السلطة إلى عصابة جباية لا مشروع دولة…
ينهَبون ما فوق الأرض من أراضٍ وثروات ومقدرات، وما تحتها من نفط ومعادن، ثم يعودون لسرقة ما تبقى في جيوب المواطنين تحت مسميات “إصلاحات اقتصادية” و“معالجات مالية”.
إنهم لا يعالجون الاقتصاد…
بل يعالجون بقاءهم هم.
فالدول الحقيقية حين تنهار عملتها تحمي مواطنيها، وتدعم الغذاء والدواء والخدمات الأساسية، أما هذه السلطة العجيبة فكلما انهارت الأوضاع سارعت لاختراع وسائل جديدة لتعذيب الناس:
المواطن جائع؟ ارفعوا الأسعار.
العملة تسقط؟ ضاعفوا الضرائب.
الخدمات معدومة؟ أضيفوا جبايات جديدة.
وكأن المطلوب ليس إنقاذ الوطن، بل الانتقام من الشعب نفسه.
والمصيبة الكبرى أن هذه السياسات لم تعد تبدو أخطاء عشوائية، بل مشروعًا مدروسًا لإبقاء الناس في حالة إنهاك دائم، حتى ينشغل المواطن بكيس الدقيق وأنبوبة الغاز عن التفكير في حقوقه ومستقبله وكرامته.
لكن التاريخ علّمنا أن الشعوب قد تصبر طويلًا…
إلا أنها حين تنفجر، لا تُبقي ولا تذر.
وما يحدث اليوم ربما يحمل رسالة إلهية قاسية حين يُبتلى الناس بمن لا يخاف الله فيهم، وكأن الواقع يقول بوضوح:
“إذا وُلّي أسفه الخلق على العباد، تحولت الأوطان إلى خرائب، وتحول المواطن إلى لاجئ داخل وطنه”.
إن الأوطان لا تسقط فقط بالحروب، بل تسقط أيضًا حين تتحول الحكومات إلى أدوات إذلال، وحين يصبح الفساد ثقافة حكم، وحين تُقدَّم مصالح اللصوص على حياة الشعوب.
وحين يصل الناس إلى مرحلة يفقدون فيها الأمل بالحياة الكريمة…
فحينها يبدأ العدّ التنازلي للسقوط الكبير.