تبدو الدنيا في كثير من تفاصيلها كالميزان، لكنه ميزان اختلت كفتاه وانقلبت معاييره؛ ففي الميزان الطبيعي يرتفع الخفيف ويثبت الثقيل، أما في "ميزان الواقع اليوم" فقد انعكست الآية. أصبح من لا علم له، ولا مبدأ يحكمه، ولا أثر حق يدل عليه، هو نفسه الذي يصعد سريعاً إلى القمة. الخفة هنا تعني سهولة الصعود، وكأن غاز "الهيليوم" يسبق الصخر دائماً في الارتفاع، فالإنسان الناقص لا وزن يثبته ولا مبادئ تردعه، فتتلقفه رياح الشهرة والظهور وترفعه حيث تشاء.
في المقابل، يُهمّش ويُسقط من كان ثابتاً كالجبل؛ والجبال رواسخ، جذورها ضاربة في عمق الأرض، لا تجري وراء كل موجة، ولا تبدل ثباتها بتغير الأحوال. هذا الثبات نفسه هو ما يجعله "ثقيلاً" على زمن السرعة والضجيج؛ فبدلاً من أن يُكرم المرء على رسوخه، يُقصى لأن المجتمعات المعاصرة لم يعد لديها الصبر على تأمل الجبال، بل أصبحت تفضل بالونات ملونة تطير أمام أعينها ولو للحظات عابرة.
إن علو المناصب، وارتفاع أسهم المتابعين، وضجيج الشهرة، لا يعني أبداً علو القدر؛ فالشموخ الحقيقي ليس مجرد ارتفاع عن الأرض، وإنما هو الثبات على الحق حين يميل الجميع. هناك من يتصدرون المشهد اليوم فقط لأن تحتهم فراغاً، فإذا سكنت رياح "التريند" هووا إلى القاع، أما الشامخ حقاً فهو الذي إن سقط، يسقط واقفاً.
يرتفع البعض لمجرد أنهم خفيفو الوزن؛ والخفة هنا تعني خفة العقل، والمبدأ، والمسؤولية. فمن لا يملك شيئاً يخسره، يغامر ويتصدر، ومن لا حياء عنده يقول ما يشاء ليصبح حديث الساعة. أما القيمة الحقيقية فهي "الوزن" و"الرزانة"، والوزن وإن أبطأ الصعود، إلا أنه الضامن الوحيد للبقاء والخلود.
نحن نعيش في زمن مقلوب، صار المقياس فيه بعدد المشاهدات لا بقدر المنفعة، وبجرأة اللسان لا بحكمة العقل، وبعلو الصوت لا بمتانة الحجة. اختل الميزان حين أصبحت العملة الرائجة هي "التمثيل" بدلاً من "الحقيقة". تصفق الجماهير للممثل وتهاجم صاحب الحقيقة؛ لأن الأول يبيعهم ما يحبون رؤيته وسماعه، يضحكهم ويبكيهم ويخدعهم بحرفية تثير الإعجاب، أما صاحب الحقيقة فخشن، مباشر، لا يزين القول، يقول "هذا خطأ" ولو كان كلامه موجعاً، لأنه يعمل بلا سيناريو ولا إخراج، فيثور عليه جمهور اعتاد العروض المسرحية، واصفاً إياه بـ "الثقيل والمعقد".
هذا المشهد يختصر فتنة العصر فتنة الظهور الزائف في مقابل الجوهر الأصيل، وهو ما يذكرنا بقاعدة أخلاقية راسخة لا تقس الناس بعلوهم اليوم، بل قسهم بثباتهم غداً. ولعل أفضل ما يلخص هذا التباين هو ذلك الحوار الرمزي القديم بين النخلة والذبابة، حين قالت الذبابة للنخلة بزهو "تمسكي فإني سأطير عنكِ"، فأجابتها النخلة برصانتها المعهودة: "ما شعرتُ بوقوعكِ، فكيف أشعر بطيرانكِ!".