يأتي الصباح من عدن هذه المرة مثقلًا بالانكسار، حاملًا في طياته نبأً يفتّ في عضد المشهد الثقافي اليمني والعربي على حد سواء؛ نبأ رحيل الأديب والصحفي والمؤرخ المخضرم، الأستاذ الكبير سعيد عولقي. ذلك المبدع الفذ الذي شكّل، على مدى ستة عقود، جزءًا من وجدان عدن، ونسيجها الإبداعي، وهويتها المدنية الضاربة في جذور التاريخ.
وبرحيل هذا العَلَم البارز، تودع الساحة الأدبية والفنية في بلادنا قامةً من جيل الكبار؛ جيل التأسيس الذي شيّد بواكير اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين، وأرسى دعائم مجلة «الحكمة»، قبل أن يمضي في رحلته الثرية ليرفد المكتبة الوطنية بأعمال مسرحية وأدبية ستظل حية وملهمة في ذاكرة الأجيال.
لقد كان للراحل الكبير ارتباطٌ عضوي بالمكان؛ فلم تكن عدن في وعيه مجرد جغرافيا ، بل فضاءً إنسانيًا ممتدًا يتنفس تفاصيله ويصوغ منه رؤيته للعالم. ولم يكن عولقي راصدٍ للمشهد، بل كان صانعًا وموثقًا لأبرز محطاته، ويتجلى ذلك في وضعه لأهم وثيقة تاريخية تؤرخ للحركة الفنية في البلاد، وهي كتابه المرجعي (سبعون عاماً من المسرح في اليمن) الصادر في منتصف ثمانينيات القرن الماضي.
ولم يقف عطاء سعيد عولقي عند حدود التنظير والتأريخ؛ بل جسّد نبض الواقع على خشبة المسرح بمسرحيته ذائعة الصيت «التركة»، التي أخرجها الراحل الكبير عبد الله صالح المسيبلي، لتتحول في وجدان الناس إلى أيقونة خالدة في تاريخ الدراما اليمنية.
وارتباطاً بهذه المسرحية الأيقونة، يستحضرني تفاصيل لقاءٍ شخصي جمعني بالراحل الكبير في أروقة وزارة الثقافة بصنعاء، برفقة الزميل المسرحي سليم عبد العزيز. يومها، أراد سليم أن يُقدّم الراحل لي، فعرّفه بصفته الإبداعية قائلاً: «صاحب التركة»، فما كان من سعيد عولقي — بسرعة بديهته المعهودة وخفة دمه — إلا أن علّق بلكنة حضرمية : «وراك بوي؟!»، لتنطلق ضحكاتنا مستبشرة بجرعة من طرافته التي كانت تكسر رتابة اللقاءات الرسمية، وتكشف عن تواضع الكبار وعمق أصالتهم.
لقد تجلت ريادة الراحل الإبداعية في المضمار الروائي، بروايته الفذة (السمّار الثلاثة)؛ وهي رواية لم تكن محض خيال سردي، بل وثيقة اجتماعية غاية في الأهمية، تشرح حال عدن في ثمانينيات القرن العشرين عبر فضاء «النادي الثقافي» في قلب مديرية كريتر. هناك، حيث كان يلتقي الصحفي والمسرحي والفنان، القادمون من مختلف الجغرافيات اليمنية، لتمتزج ثرثراتهم الليلية بالهمّ الوطني العام، وتتحول —عبر حبكة الاعتقال الغامضة— إلى تكثيف درامي عميق يعكس التحولات السياسية والاجتماعية التي شهدتها المدينة.
وفي عالم الصحافة، حفر سعيد عولقي اسمه بحروف من نور، كصاحب أحد أشهر الأعمدة الساخرة في تاريخ الصحافة اليمنية: «شقلبانيات» في صحيفة التجمع، والتي جمعها لاحقًا في كتاب يحمل الاسم ذاته منتصف التسعينيات.. وقد حملت مقالات وكتابات الراحل مشرط النقد اللاذع لتشريح الواقع المعيش، بقالب من السخرية الراقية والواعية، المحملة بأوجاع الناس وآمالهم؛ وهي السخرية الذكية التي تُضحك وتبكي في آنٍ واحد.
إن تجربة سعيد عولقي الممتدة لستين عاماً —منذ تأسيسه لفرقة الجنوب المسرحية عام 1965 وفرقة المسرح الحديث عام 1969، مرورًا برئاسته لتحرير مجلة «الفنون»، ووصولًا إلى قيادته للعمل الثقافي مديرًا عامًا للثقافة بصنعاء وللمؤسسة العامة للمسرح والسينما— لهي مسيرة رجل استثنائي واكب تباشير التحول، وظل مخلصًا للكلمة والفن حتى رمقه الأخير.
تغمد الله الفقيد الكبير بواسع رحمته وغفرانه، وأسكنه فسيح جناته، وألهم أهله وذويه، والوسط الثقافي والمسرحي، جميل الصبر والسلوان..