آخر تحديث :الجمعة-05 يونيو 2026-08:35م

روسيا وتركيا .. من حروب القياصرة والسلاطين إلى شراكة القرن الحادي والعشرين..

الجمعة - 05 يونيو 2026 - الساعة 05:46 م
د. سلطان مشعل


لم يكن كثير من المراقبين يتوقعون أن تنجح تركيا وروسيا في بناء واحدة من أكثر العلاقات الدولية تعقيدًا وتأثيرًا في القرن الحادي والعشرين. فالدولتان اللتان خاضتا عشرات الحروب عبر التاريخ، وتواجهتا لعقود طويلة على خطوط الصدع الجيوسياسي الممتدة من البحر الأسود إلى البلقان والقوقاز والشرق الأوسط، أصبحتا اليوم شريكتين في إدارة ملفات إقليمية ودولية بالغة الحساسية، دون أن تتخليا في الوقت ذاته عن تنافسهما الاستراتيجي العميق.


هذه المفارقة ليست مجرد تفصيل في العلاقات الثنائية بين دولتين إقليميتين كبيرتين، بل تمثل أحد أبرز المؤشرات على التحولات التي يشهدها النظام الدولي منذ بداية القرن الحالي. فالعالم الذي حكمته التحالفات الصلبة والاستقطابات الأيديولوجية خلال الحرب الباردة يتجه تدريجيًا نحو أنماط أكثر مرونة وتعقيدًا، حيث يمكن للدول أن تتعاون وتتنافس في الوقت نفسه، وأن تدير خلافاتها دون أن تتحول إلى حروب مفتوحة.


ومن بين النماذج الأكثر وضوحًا لهذا التحول تبرز العلاقة التركية–الروسية بوصفها مختبرًا حيًا لفهم طبيعة التوازنات الجديدة التي تتشكل في مرحلة ما بعد الأحادية القطبية.


من إرث الحروب إلى منطق المصالح


تمتد جذور التنافس التركي–الروسي إلى ما يقرب من خمسة قرون. فقد شكّل البحر الأسود والبلقان والقوقاز مسرحًا لصراع طويل بين الدولة العثمانية والإمبراطورية الروسية، كان أحد أكثر الصراعات استمرارية في التاريخ الحديث.


وخلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر نجحت روسيا في تحقيق تقدم استراتيجي متواصل على حساب الدولة العثمانية، مستفيدة من تراجع القوة العثمانية وصعود المشروع القيصري التوسعي. كما اكتسب الصراع بعدًا دينيًا وحضاريًا حين قدمت روسيا نفسها باعتبارها حامية الأرثوذكس في مواجهة السلطنة العثمانية.


وفي القرن العشرين انتقلت الخصومة إلى شكل جديد مع انضمام تركيا إلى حلف شمال الأطلسي عام 1952م، لتصبح إحدى أهم قواعد الاحتواء الغربي للاتحاد السوفيتي.


غير أن انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991م فتح الباب أمام مرحلة مختلفة، لم تعد فيها الأيديولوجيا هي المحدد الرئيسي للعلاقات الدولية، بل المصالح الاقتصادية والاعتبارات الجيوسياسية المتغيرة.


بوتين وأردوغان وصناعة المعادلة الجديدة


شكّل وصول فلاديمير بوتين إلى السلطة في روسيا، ورجب طيب أردوغان إلى قيادة تركيا، نقطة التحول الأكثر أهمية في مسار العلاقة بين البلدين.


فكلا الزعيمين تبنى رؤية تقوم على توسيع هامش الاستقلال عن الغرب، وإعادة تعريف دور الدولة في محيطها الإقليمي والدولي.


بالنسبة لموسكو، كان الهدف استعادة مكانة روسيا كقوة كبرى بعد عقد من التراجع والاضطراب الذي أعقب انهيار الاتحاد السوفيتي. أما أنقرة فكانت تسعى إلى التحول من دولة طرفية في المنظومة الغربية إلى قوة إقليمية مستقلة تمتلك قدرة أكبر على المناورة بين مراكز القوة الدولية.


ومن هنا نشأت أرضية مشتركة سمحت للطرفين ببناء علاقة قائمة على البراغماتية السياسية أكثر من أي اعتبارات أيديولوجية أو تاريخية.


الطاقة: العمود الفقري للعلاقة


إذا كان التاريخ يفسر أسباب الصراع، فإن الطاقة تفسر أسباب التقارب.


فروسيا تعد أحد أكبر مصدري الغاز الطبيعي في العالم، بينما تمثل تركيا عقدة جغرافية حيوية تربط آسيا بأوروبا.


وقد أسهمت مشاريع الطاقة الكبرى، مثل مشروع الغاز بلو ستريم وتورك ستريم، إضافة إلى محطة أكويو النووية، في خلق شبكة مصالح متبادلة جعلت من الصعب على الطرفين التضحية بالعلاقة حتى في أوقات الأزمات الحادة.


وبالتوازي مع ذلك، تحولت السوق التركية إلى أحد أهم المنافذ الاقتصادية لروسيا، فيما أصبحت السياحة الروسية أحد الروافد المهمة للاقتصاد التركي.


سوريا: حيث تصادم المشروعان ثم تعايشا


مثلت الحرب السورية الاختبار الأصعب للعلاقة التركية–الروسية.


فمنذ اندلاع الأزمة وقفت أنقرة وموسكو على طرفي نقيض. دعمت تركيا قوى المعارضة السورية، بينما تدخلت روسيا عسكريًا لحماية الدولة السورية ومنع سقوطها.


وبلغ التوتر ذروته عام 2015م عندما أسقطت تركيا طائرة روسية قرب الحدود السورية، في حادثة بدت حينها مقدمة لمواجهة خطيرة بين الطرفين.


لكن ما حدث لاحقًا كشف جوهر العلاقة الجديدة.


فبدل الانزلاق نحو التصعيد، أعاد الطرفان بناء قنوات الاتصال، وانتقلا إلى صيغة إدارة التنافس عبر ما عُرف لاحقًا بمسار أستانة، الذي أصبح أحد أهم أطر التفاهم الإقليمي في الشرق الأوسط.


لقد أدركت أنقرة وموسكو أن تكلفة الصدام المباشر أعلى بكثير من مكاسب أي انتصار تكتيكي، وهو درس يبدو أن كثيرًا من القوى الإقليمية لم تستوعبه بعد.


أوكرانيا وكشف أسرار البراغماتية التركية


جاءت الحرب الأوكرانية لتقدم المثال الأوضح على طبيعة السياسة التركية المعاصرة.


فتركيا دعمت أوكرانيا عسكريًا وسياسيًا، ورفضت الاعتراف بضم شبه جزيرة القرم، وقدمت طائرات مسيرة لعبت دورًا مهمًا في مراحل مختلفة من الحرب.


وفي الوقت نفسه، رفضت الانضمام إلى منظومة العقوبات الغربية ضد روسيا، وحافظت على قنوات الاتصال مع الكرملين، بل وتحولت إلى وسيط رئيسي في اتفاق تصدير الحبوب عبر البحر الأسود.


هذه السياسة لم تكن تناقضًا بقدر ما كانت تعبيرًا عن فلسفة تركية جديدة تقوم على تعظيم المصالح الوطنية عبر إدارة العلاقات مع جميع الأطراف بدل الانخراط في محاور مغلقة.


ما الذي تقوله العلاقة التركية–الروسية عن العالم الجديد؟


تكشف هذه العلاقة عن حقيقة استراتيجية أوسع تتجاوز حدود البلدين.


فالعالم لم يعد ينقسم إلى معسكرات مغلقة كما كان خلال الحرب الباردة، ولم تعد الدول المتوسطة والقوى الإقليمية مضطرة للاختيار بين واشنطن أو موسكو أو بكين.


لقد دخل النظام الدولي مرحلة يمكن وصفها بـ"التعددية البراغماتية"، حيث تتشكل الشراكات وفق المصالح المتغيرة لا وفق الانتماءات الأيديولوجية الثابتة.


وفي هذا السياق تبدو العلاقة التركية–الروسية أقرب إلى نموذج مصغر للنظام الدولي القادم؛ نظام لا يلغي الصراعات، لكنه يجعل إدارتها أكثر أهمية من حسمها.


الشرق الأوسط بين النفوذ الأمريكي والتفاهمات الأوراسية


انعكست هذه التحولات بصورة مباشرة على المنطقة العربية.


ففي سوريا وليبيا والطاقة والأمن الإقليمي، أصبحت أنقرة وموسكو فاعلين رئيسيين في رسم كثير من المعادلات الجديدة.


كما أن مرونة العلاقة بينهما شجعت عددًا من الدول العربية على تنويع شراكاتها الدولية والانفتاح على قوى متعددة بدل الارتهان لمحور واحد.


وفي ظل التراجع النسبي للانخراط الأمريكي المباشر في بعض ملفات المنطقة، باتت القوى الإقليمية أكثر قدرة على صياغة ترتيبات أمنية وسياسية جديدة خارج القوالب التقليدية التي سادت منذ نهاية الحرب الباردة.

نحن هنا أمام نموذج شراكة تنافسية لا تحالف استراتيجي.

لكن ما يميز هذه العلاقة هو نجاح الطرفين في بناء نموذج جديد يقوم على إدارة التناقضات وتوظيف المصالح ومنع الخلافات من التحول إلى صدامات.


ولهذا السبب تحديداً أصبحت العلاقة بين أنقرة وموسكو أكثر من مجرد علاقة ثنائية! إنها أحد المؤشرات المهمة على شكل العالم الذي يتشكل أمامنا، وفيه تتراجع التحالفات "العقائدية الصلبة" وتتصاعد قيمة "البراغماتية والمرونة"

وفي هذا العالم الجديد لم يعد السؤال العقدة:

من هم الحلفاء ومن هم الخصوم؟ وإنما:

كيف تستطيع الدول تحويل الخصومة إلى أداة من أدوات القوة والنفوذ؟!