تمثل التغييرات الحكومية في الظروف الاستثنائية فرصة مهمة لإعادة تصحيح المسار وتعزيز ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة، خصوصاً في الدول التي تواجه تحديات سياسية واقتصادية معقدة.
وكان اليمنيون يأملون أن تشكل التعديلات الحكومية الأخيرة خطوة نحو ترشيد الإنفاق العام، وتعزيز الكفاءة، وتوجيه الموارد المحدودة لمعالجة الملفات الأكثر إلحاحاً المرتبطة بحياة المواطنين اليومية.
غير أن الواقع يفرض جملة من التساؤلات المشروعة حول أولويات المرحلة وطبيعة القرارات المتخذة في ظل الأزمة الراهنة.
فبينما يواجه المواطن اليمني أوضاعاً معيشية واقتصادية صعبة، شهدت التشكيلة الحكومية توسعاً في عدد الحقائب الوزارية ليصل إلى 35 حقيبة، من بينها 8 وزراء دولة دون مهام، في وقت تعاني فيه البلاد من تراجع الموارد، وانهيار العملة الوطنية، واستمرار التحديات الخدمية والاقتصادية.
ولا تكمن الإشكالية في الأشخاص أو المواقع بحد ذاتها، وإنما في مدى انسجام هذه الترتيبات مع متطلبات المرحلة الاستثنائية التي تستدعي تقليص النفقات وترشيد الإنفاق العام، وتوجيه الإمكانات المتاحة نحو تحسين الخدمات الأساسية وتخفيف الأعباء عن المواطنين.
فالمناصب الحكومية، بما يرتبط بها من مخصصات وامتيازات ونفقات تشغيلية، تمثل التزاماً مالياً إضافياً على خزينة عامة تعاني أصلاً من ضغوط كبيرة وعجز عن الوفاء بكثير من الالتزامات الأساسية.
وفي المقابل، لا يزال المواطن يواجه تحديات يومية تتعلق بالحصول على الكهرباء والمياه والخدمات الصحية، فضلاً عن الارتفاع المستمر في أسعار السلع الأساسية والمشتقات النفطية، وتآكل القدرة الشرائية للدخل نتيجة التراجع المستمر لقيمة العملة.
كما أن ملف المرتبات واستقرار الأوضاع المعيشية ما يزال يمثل أحد أبرز التحديات التي تؤثر بشكل مباشر على حياة ملايين اليمنيين.
إن القراءة الموضوعية للمشهد تكشف أن الأزمة لم تعد مرتبطة بشح الموارد فقط، بل أصبحت مرتبطة أيضاً بأولويات الإدارة العامة وآليات اتخاذ القرار.
فالدول التي تمر بأزمات اقتصادية حادة تحتاج إلى نماذج إدارية تعكس روح المسؤولية والتقشف والكفاءة، وتبعث برسائل طمأنة للمواطنين بأن معاناتهم تمثل أولوية حقيقية لدى صناع القرار.
وفي هذا السياق، لا يمكن حصر المسؤولية في جهة واحدة.
فالحكومة ومجلس القيادة الرئاسي يتحملان المسؤولية المباشرة عن إدارة الشأن العام واتخاذ القرارات التنفيذية، لكن المسؤولية تمتد كذلك إلى المؤسسات الرقابية والتشريعية والأحزاب السياسية والمكونات الوطنية المختلفة، التي يفترض أن تؤدي دوراً فاعلاً في المتابعة والتقييم والمساءلة.
ويبرز هنا تساؤل مشروع حول مستوى الحضور الرقابي للمؤسسات المعنية، وفي مقدمتها مجلسا النواب والشورى، إلى جانب الأحزاب والقوى السياسية التي لطالما رفعت شعارات الإصلاح ومكافحة الفساد وتعزيز الحوكمة الرشيدة.
فالمواطن ينتظر من هذه المؤسسات أن تمارس أدوارها الدستورية والوطنية في الرقابة والتقييم وإبداء الرأي تجاه القضايا التي تمس المال العام ومستقبل الدولة.
إن غياب النقاشات الجادة والمواقف الواضحة تجاه القرارات ذات الأثر المالي والإداري الواسع يضعف ثقة المواطنين بفعالية منظومة الرقابة والمساءلة، ويعزز الانطباع بأن بعض القوى السياسية باتت منشغلة بالحفاظ على مواقعها داخل السلطة أكثر من انشغالها بالدفاع عن مصالح المواطنين ومطالبهم.
إن التحديات التي يواجهها اليمن اليوم تتطلب مراجعة جادة لآليات إدارة الدولة وأولويات الإنفاق العام، والانتقال من منطق المحاصصة والتوازنات السياسية إلى منطق الكفاءة والإنجاز والمسؤولية.
فاستعادة ثقة المواطنين لا تتحقق بتوسيع الهياكل الحكومية أو إعادة توزيع المناصب، وإنما عبر تحسين الخدمات، واستقرار الاقتصاد، وتعزيز الشفافية، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
إن مستقبل الدولة واستقرارها يرتبطان بقدرتها على ترسيخ مبادئ الكفاءة والشفافية والمساءلة، فالأوطان لا تبنى بالمجاملات السياسية ولا بتوسيع دوائر النفوذ، وإنما بالإدارة الرشيدة والقرار المسؤول الذي يضع مصلحة المواطن والوطن في مقدمة الأولويات.