آخر تحديث :الثلاثاء-02 يونيو 2026-01:39م

حين يجهل الشعب حقوقه.. يتحول الفساد إلى سلطة

الثلاثاء - 02 يونيو 2026 - الساعة 11:14 ص
صلاح البندق


ليست المشكلة الكبرى في وجود حاكمٍ فاسد فقط، بل في وجود شعبٍ لا يعرف حقوقه، ولا يدرك أن السلطة وُجدت لخدمته لا لاستعباده. فكل طاغيةٍ في التاريخ لم يبدأ قوياً، وإنما استمد قوته من خوف الناس، وصمتهم، وجهلهم بحقوقهم.

إن المحافظ، أو المدير، أو القائد، أو حتى الرئيس، ليسوا أوصياء على الشعوب، ولم يُخلقوا ليكونوا ملاكاً للبلاد والعباد، بل هم موظفون عموميون وُضعت بين أيديهم مسؤولية إدارة شؤون الناس وخدمتهم. فالمنصب في جوهره تكليفٌ ثقيل، لا غنيمة شخصية، والسلطة عقد خدمة بين الحاكم والمحكوم، لا رخصة مفتوحة للنهب والفساد والتسلط.



لكن المشكلة تبدأ حين يختل ميزان الوعي.

فعندما يجهل الشعب حقوقه، يصبح الفاسد أكثر جرأة، ويظن المسؤول أن الصمت الشعبي تفويضٌ دائم، وأن خوف الناس رضا، وأن السكوت قبول بالإهانة والفساد.



إن أخطر أنواع الاستبداد ليس استبداد السلاح فقط، بل استبداد العقل؛ حين يُقنع المواطن أن المطالبة بحقه جريمة، وأن محاسبة المسؤول خروج عن الوطنية، وأن التصفيق للفشل نوع من الولاء.



أيها الناس…


المسؤول ليس سيداً فوق الشعب،

بل خادمٌ له.

راتبه من أموال المواطنين، ومكتبه من المال العام، وموكبه وحراسته ونفقاته كلها تُدفع من قوت الشعب وضرائبه وثرواته. فكيف يتحول الخادم إلى متسلط ؟ وكيف يصبح الموظف حاكماً بأمره على من يدفعون راتبه ؟



إن الدولة الحقيقية لا تُبنى بالخوف، ولا بالهتافات الجوفاء، ولا بتقديس الأشخاص، بل تُبنى بالعدالة، والمحاسبة، ووعي الناس بحقوقهم وواجباتهم.



وقد أكدت القوانين والدساتير الحديثة أن السلطة ملكٌ للشعب وليست ملكاً للحاكم.

فالمادة (21) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان تنص بوضوح على أن :

" إرادة الشعب هي مصدر سلطة الحكومة. "



كما تنص المادة (25) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على حق المواطنين في المشاركة في إدارة الشؤون العامة، ومراقبة من يتولون السلطة باسمهم.



وهذا يعني أن المواطن ليس متسوّلاً عند أبواب المسؤولين، بل صاحب حق أصيل، ومن حقه أن يسأل :

أين المال العام؟

وأين الخدمات؟

وأين حقوق الناس؟

ولماذا يتحول بعض المسؤولين إلى طبقة تعيش فوق القانون بينما الشعب يغرق في الأزمات؟



إن الوطنية الحقيقية ليست تصفيقاً أعمى، ولا تبريراً للفشل، ولا صناعة الأعذار للفاسدين. الوطنية أن نحمي الوطن من اللصوص، وأن نقول للمخطئ: أخطأت، وللفاسد : كفى، وللمقصر: الشعب ليس مزرعة خاصة.



فالمسؤول الحقيقي لا يُقاس بعدد مرافقيه، ولا بحجم موكبه، ولا بكثرة الشعارات التي تُرفع باسمه، بل يُقاس بما يقدمه للناس من عدل وخدمات وكرامة.



وتذكروا دائماً…


أن الشعب الذي لا يعرف حقوقه، سيظل يطلب الفتات، بينما تُنهب ثرواته أمام عينيه.

أما الشعب الواعي، فإنه لا يخاف من المطالبة بحقه، لأن الكرامة لا تُمنح صدقة، بل تُنتزع بالوعي والإرادة والمحاسبة.



فالمنصب لخدمة الشعب، ومن لم يخدم الناس بصدقٍ وعدالة، فليغادر قبل أن يغادره التاريخ مذموماً، وتلعنه ذاكرة الأجيال.