آخر تحديث :الثلاثاء-02 يونيو 2026-01:38م

جرعة الموت الصامت ،، عندما يتحول المواطن اليمني إلى ممول رسمي للإخفاقات الحكومية

الثلاثاء - 02 يونيو 2026 - الساعة 11:09 ص
د. سعيد سالم الحرباجي


يبدو أن الحكومة الموقرة قد توصلت أخيرًا إلى اكتشاف اقتصادي عظيم، يستحق أن يُدرَّس في جامعات العالم تحت عنوان: "كيف تجعل الفقير أفقر، ثم تطلب منه أن يشكرك على الإصلاحات؟؟؟!!!

فبعد سنوات من البحث المضني، والاجتماعات الماراثونية، والبيانات المليئة بالمصطلحات الرنانة، وجدت أن أقصر طريق لمعالجة الأزمة الاقتصادية هو أن تضع يدها مباشرة في جيب المواطن، ثم تعلن بكل ثقة أنها تخوض معركة الإنقاذ الوطني.

وهكذا جاء قرار تحرير الدولار، لا باعتباره حلًا للأزمة، بل باعتباره جرعة جديدة من جرعات الموت الصامت التي يتناولها المواطن اليمني صباحًا ومساءً دون وصفة طبية.

ارتفع الدولار...

فارتفع الديزل...

وارتفعت أجور النقل...

وارتفعت أسعار المواد الغذائية...

وارتفعت معها ضغوط الدم، ونسب القلق، وعدد الحسرات اليومية لدى المواطنين.


أما الشيء الوحيد الذي لم يرتفع فهو الراتب، ذلك الكائن الأسطوري المنقرض الذي ما زالت الحكومة تتحدث عنه كما يتحدث المؤرخون عن الديناصورات.


عشرون لترًا من الديزل بأربعين ألف ريال!

رقمٌ يكفي لأن يظن المرء أن الديزل أصبح يُستورد من المريخ، أو يُنقل إلينا بواسطة مركبات فضائية تعمل بالطاقة النووية.


لكن الحقيقة أبسط من ذلك بكثير:

إنه الاقتصاد اليمني حين يقع بين مطرقة الفشل وسندان اللامبالاة.

والمواطن هو المعدن الوحيد المسموح بسحقه بينهما.

المثير للسخرية أن الحكومة كلما عجزت عن إيجاد الحلول الحقيقية، سارعت إلى إنتاج حلول تشبه إطفاء حريق منزل كامل بسكب البنزين عليه.

فالعملة تنهار...

فتُترك لتنهار أكثر.

والأسعار ترتفع...

فتُترك لتواصل التسلق.

والأسواق تضطرب...

فتُترك لمزاج المضاربين.


ثم يخرج علينا بعض المسؤولين بوجوه مطمئنة ليحدثونا عن "المعالجات الاقتصادية"، و"الإصلاحات الهيكلية"، و"الرؤية الاستراتيجية".

وهي عبارات تشبه إلى حد كبير كتابة عبارة "شفاء عاجل" على وصفة طبية فارغة.


في كل دول العالم تحاول الحكومات حماية الأمن الغذائي.

أما في اليمن....فيبدو أن الأمن الغذائي أصبح ( وجهة نظر) !!!!

وفي كل دول العالم تُسخَّر الموارد لحماية العملة الوطنية.

أما عندنا، فتبدو العملة كيتيم ضاع في سوق مزدحمة؛ لا أحد يسأل عنه، ولا أحد يعرف إلى أين يمضي.


والسؤال الذي يطرحه المواطن يوميًا:

إذا كانت البلاد تمتلك النفط، والغاز، والموانئ، والضرائب، والجمارك، والموارد المختلفة، فلماذا يبقى الحل الوحيد هو تحميل المواطن مزيدًا من الأعباء؟

لماذا لا يُرى الفساد إلا في الخطب؟

ولماذا لا يُحارب إلا على الورق؟

ولماذا تتحول كل الأزمات إلى فواتير تُرسل مباشرة إلى المواطن؟


يبدو أن هناك قناعة راسخة لدى بعض المسؤولين بأن المواطن اليمني كائن خارق للطبيعة.

يتحمل انقطاع الكهرباء.

ويتحمل انهيار العملة.

ويتحمل ارتفاع الأسعار.

ويتحمل تأخر الرواتب.

ويتحمل تردي الخدمات.

ثم يُطلب منه بعد ذلك أن يبتسم للكاميرا ويهتف للنجاحات العظيمة!!!


لقد وصل المواطن إلى مرحلة لم يعد يسأل فيها عن الرفاهية أو التنمية أو المشاريع الكبرى.

صار أقصى طموحه أن يذهب إلى السوق دون أن يُصاب بصدمة عصبية عند قراءة الأسعار.

وأن يملأ خزان الوقود دون أن يضطر إلى بيع قطعة أثاث من منزله.

وأن يشتري حاجات أطفاله دون أن يدخل في مفاوضات مالية مع بائع الخضار.


إن أخطر ما في هذه السياسات أنها لا تقتل الناس دفعة واحدة ... بل بالتقسيط.

تنتزع من موائدهم شيئًا فشيئًا.

ومن قدرتهم الشرائية شيئًا فشيئًا.

ومن أحلامهم شيئًا فشيئًا.

حتى يصبح البقاء نفسه إنجازًا يوميًا يستحق الاحتفال.


وهكذا تستمر رحلة "الإصلاحات"...

إصلاحات لا يُصلَح فيها شيء، سوى زيادة قدرة المواطن على التكيف مع الألم.

أما الحكومة، فتواصل تقديم جرعات الموت الصامت، على أمل أن يعتاد الناس طعم السم إذا طال بهم الزمن.


لقد آن الأوان أن يدرك المواطن أن الصمت لم يعد حكمة، وأن الوعي لم يعد ترفًا ثقافيًا، بل ضرورة للبقاء.

ذلك أن كل تراجع في مستوى المعيشة، وكل انهيار في قيمة العملة، وكل ارتفاع في الأسعار، لا ينبغي أن يُقابل بالاستسلام......(بل بسؤال مشروع)

من المسؤول؟ ولماذا يدفع الفقراء دائمًا الثمن؟


إن أخطر ما يهدد اليمن اليوم ليس الدولار المرتفع، بل اعتياد الناس على المأساة، وقبولهم بالتدهور وكأنه قدر محتوم.

لهذا نحن اليوم بحاجة ماسة اليوم إلى وعي شعبي تسقط معه كل محاولات الاستخفاف بعقول الناس، ويتحول المواطن من ضحية تتلقى الضربات إلى قوة تفرض على الجميع احترام حقه في العيش الكريم.

#صرخة وعي ،،