في الوقت الذي تمثل فيه مديرية البريقة أحد أهم المراكز الاقتصادية والخدمية والاستراتيجية في العاصمة عدن، لا يزال أبناؤها يتساءلون عن أسباب استمرار التهميش الذي تعانيه المديرية على مستوى الخدمات والمشاريع والتنظيم الإداري، رغم ما تقدمه من إسهامات حيوية تخدم المدينة بأكملها.
فالبريقة ليست مجرد مديرية عادية ضمن مديريات العاصمة، بل تعد من أكبر المديريات مساحة وأكثرها تنوعاً وأهمية، وتمتد رقعتها الجغرافية من إنماء غرباً إلى فقم وعمران، مشكلةً مساحة شاسعة تمثل جزءاً كبيراً من العاصمة عدن، الأمر الذي دفع الكثيرين إلى وصفها بـ"عدن الصغرى" نظراً لما تحتويه من مقومات اقتصادية وتنموية وبشرية فريدة.
وتبرز المفارقة بوضوح في قطاع الخدمات الأساسية، إذ تحتضن البريقة واحداً من أهم مصادر المياه التي تغذي مديريات عدن عبر حقول وآبار بئر أحمد، ومع ذلك لا تزال العديد من مناطق المديرية تعاني من ضعف إمدادات المياه وعدم انتظامها، الأمر الذي يثير تساؤلات مشروعة حول عدالة توزيع هذه الخدمة الحيوية.
ولا يختلف الحال كثيراً في قطاع الكهرباء، فالبريقة تحتضن أهم محطات إنتاج الطاقة في العاصمة، وفي مقدمتها محطة الرئيس، والمحطة الكهروحرارية في الحسوة، إضافة إلى مشروع الطاقة الشمسية في بئر أحمد، وهي منشآت استراتيجية تسهم في توفير الكهرباء لمناطق واسعة من عدن، ورغم ذلك، يشكو سكان المديرية من تدني مستوى الخدمة والانقطاعات المتكررة، وكأن المديرية التي تنتج الطاقة للآخرين لا تنال نصيباً عادلاً منها.
وعلى الرغم من المكانة الاقتصادية التي تتمتع بها البريقة، وما تحتويه من منشآت سيادية واستراتيجية، مثل مصافي عدن وميناء الزيت، فضلاً عن احتضانها للحرم الجامعي وعدد من كليات جامعة عدن، وشريط ساحلي طويل يمتد على مساحات واسعة، إلا أن حجم المشاريع التنموية والخدمية المنفذة فيها لا يعكس هذه الأهمية، ولا يوازي حجم احتياجاتها المتزايدة أو تطلعات سكانها.
وتزداد علامات الاستفهام على المستوى الإداري، بعد شغور منصب مدير عام المديرية وعدم تعيين قيادة محلية جديدة بصورة مستقلة، حيث أُسندت إدارة المديرية بالإنابة إلى مدير عام مديرية المنصورة، ورغم التقدير للجهود المبذولة، إلا أن مديرية بحجم البريقة ومساحتها الواسعة وتشعب قضاياها الخدمية والسكانية تحتاج إلى إدارة متفرغة وقريبة من هموم المواطنين وقادرة على متابعة احتياجاتهم اليومية.
إن البريقة اليوم ليست بحاجة إلى حلول مؤقتة، بل إلى رؤية تنموية وإدارية متكاملة تنطلق من الاعتراف بمكانتها الحقيقية داخل العاصمة عدن، كما أن إعادة النظر في التقسيم الإداري للمديرية باتت فكرة جديرة بالدراسة، في ظل اتساع رقعتها الجغرافية وتزايد عدد سكانها، بما يضمن إدارة أكثر كفاءة وخدمات أكثر قرباً من المواطنين.
لقد ظلت البريقة لعقود طويلة رئة اقتصادية وخدمية لعدن، ومركزاً يحتضن أهم المشاريع والمنشآت الاستراتيجية التي يعتمد عليها ملايين المواطنين، ومن الإنصاف أن تنعكس هذه المكانة على مستوى الاهتمام الرسمي، وأن تحظى المديرية بما تستحقه من مشاريع وخدمات وتمثيل إداري يوازي حجم عطائها ودورها المحوري في حياة العاصمة.
البريقة لا تطالب بامتيازات استثنائية، بل بحقها الطبيعي في التنمية والاهتمام، وبمستوى من الخدمات يليق بمديرية تمنح الكثير لعدن وتستحق أن تنال نصيبها العادل من الرعاية والإنصاف.
*د. غسان ناصر عبادي*