آخر تحديث :الإثنين-01 يونيو 2026-11:55م

​صنعاء لم تسقط.. ما زالت بيد القبائل

الإثنين - 01 يونيو 2026 - الساعة 08:18 م
منال مجاهد


هادي، الذي لم تسنده قبيلة جنوبية ولا شمالية في (جمهورية القبائل اليمنية)، غادر الدنيا صباح الخميس (ثاني أيام عيد الأضحى) في العاصمة السعودية الرياض، ودُفن في مقبرة العود بعد صلاة عصر الجمعة.

​وكان آخر ظهور له حين صافح أعضاء ما يُسمى (مجلس القيادة الرئاسي) في السابع من أبريل عام 2022م، حيث أصدر في ذلك التاريخ إعلاناً رئيسياً ينص على إنشاء المجلس وتفويضه بكامل صلاحيات رئيس الجمهورية، وفقًا للدستور والمبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية، ليُعزل بعدها هادي سياسيًا وإعلاميًا حتى وفاته.


​بعد رحيل هادي، خرج بعض القيادات والمسؤولين، والصحفيين والإعلاميين والناشطين، لطرح أسئلة يظنون أن أجوبتها ملقاة في (صندوق هادي الأسود)

​كيف سقطت صنعاء بدون مقاومة؟!

​أين كان الجيش والأمن؟ وكيف وصلت جماعة الحوثي إلى دار الرئاسة؟!

​كيف أصبحتَ معزولًا وتحت الإقامة الجبرية في منزلك؟!

​من كان يدير الجيش والداخلية؟!

​كيف بعتَ صنعاء يا هادي؟!


​أسئلةٌ أخرى لن تنتهي، يتساءلون بها اليوم بعد رحيله، وهم الذين كانوا بالأمس في أول الصفوف والطوابير للقائه، يصفقون لخطاباته بحرارة.

لكنهم بعد رحيله، ارتدوا عباءة الوطنية وحمّلوه كل ما حدث في اليمن!

​لكن الحقيقة أن صنعاء لم تسقط حتى اللحظة، بل ما زالت بيد القبائل الشمالية التي أصبحت شريكة اليوم في المشهد وعلى أرض الواقع.


​لنعيد قراءة أرشيف الأيام الأولى التي انطلقت فيها (ثورة 11 فبراير) الشبابية الشعبية السلمية عام 2011م.

حينها خرج الشباب بمطالب مشروعة في ثورة سلمية نقية، حتى اقتحمت الأحزاب مخيماتهم، وأعلن الجنرال علي محسن الأحمر انضمامه للثورة برفقة قيادات حزبية وأولاد عبد الله بن حسين الأحمر.

​في تلك اللحظة، سُلبت حقوق الشباب وطُمست قضيتهم، في عملية يمكن وصفها ب (دس السم في العسل).

هكذا تكون نهاية أي مشروع شبابي سلمي يشارك فيه شيخ القبيلة، فمهما كانت صفته (قائدًا عسكريًا، أم سياسيًا، أم حزبيًا)، فإن الفشل يكون المصير.


​ومن الغرائب والعجائب في اليمن، أن من وعدوا وحلفوا بالولاء والحفاظ على الوطن، غادروا مع عائلاتهم عند أول منعطف، وتركوا البلاد خلفهم مضحّين بشبابه للأسف.


وإذا نظرنا قليلًا في كل ما حدث، سنرى مشايخ القبائل يسرحون ويمرحون داخل اليمن وخارجه دون مساس.

​مفارقات المشهد : في 2 ديسمبر 2017، ألقى علي عبد الله صالح خطابه الشهير لفك الشراكة مع جماعة الحوثي وإعلان ما سُمي ب (انتفاضة ديسمبر) ضدهم.

وفي 4 ديسمبر 2017، أُعلن عن مقتله وتنتهي المواجهات، ودُفن صالح بلا مراسم رسمية في صنعاء، بحضور بعض مشايخ قبائل طوق صنعاء، ويحيى الراعي، وقيادات من جماعة الحوثي.

​في 27 مارس من العام 2022، توفي حسين بن عبد الله بن حسين الأحمر في مقر إقامته بالعاصمة القطرية الدوحة إثر نوبة قلبية مفاجئة.

وفي 1 أبريل 2022، استقبلته القبائل في مطار صنعاء، وتُمّت الصلاة عليه في ميدان السبعين، ودُفن في مقبرة أبيه.

​وفي 6 يناير 2023، توفي أيضًا صادق بن عبد الله بن حسين الأحمر في العاصمة الأردنية عمان.

وفي 8 يناير 2023، نُقل جثمانه من الأردن إلى صنعاء، واستقبلته قبائل طوق صنعاء وقيادات من جماعة الحوثي، وأُقيمت الصلاة عليه في ميدان السبعين ودُفن بجوار أخيه حسين.


​عند توقيف الشيخ القبلي محمد أحمد علي الزايدي (أحد مشايخ قبيلة جهم وخولان الطيال) الموالي لجماعة الحوثي، يوم الأحد 6 يوليو 2025، في منفذ صرفيت الحدودي بمحافظة المهرة أثناء محاولته السفر إلى سلطنة عُمان بغرض العلاج.

انتفضت (جمهورية القبائل اليمنية)، القيادات والمشايخ والإعلاميين والصحفيين المحسوبين والموالين لما تسمى (حكومة الشرعية) طالبوا بالإفراج الفوري عنه،​ وبعد مرور حوالي 24 يومَا من الاحتجاز، وتحديدًا مساء يوم الأربعاء 30 يوليو 2025، وبناءً على وساطات قبلية انتهت بالإفراج عنه، وصل عقب ذلك إلى العاصمة صنعاء في أواخر شهر يوليو ومطلع أغسطس 2025، حيث أُقيم له استقبال قبلي ورسمي حاشد.

​الحقيقة لا تموت، فهذه القبائل التي استقبلت جثامين حسين وصادق بمواكب مهيبة في قلب صنعاء، وصلّت على جثمان صالح، هي نفسها التي رفضت دفن جثمان هادي داخل اليمن، لأنه لا ينتمي إليها وليس له قبيلة تحميه، وكونه ينتمي لمحافظة أبين الجنوبية.

​وهي للأسف المفارقة ذاتها، إذ كانت هذه الرموز القبلية في الصفوف الأولى لصلاة الجنازة على هادي في الرياض، وتربعت على الكراسي أمام قبره لتودعه بابتسامات ساخرة، وكأنهم يبعثون له برسالة صامتة:

​(نحن من أجلسناك على كرسي الرئاسة، ونحن من سحبناه من تحتك، ونحن من عزلناك من السياسة، ونحن اليوم من يطوي صفحتك للأبد يا هادي، ونحن جلوس على كراسي فاخرة أمام قبرك).


​فهذه هي نهاية كل من يقف معارضًا أو عائقًا أمام مصالح القبائل.

​تمزقت الجمهورية اليمنية وأصبحت في كل محافظة (دويلات)، وفي كل بقعة حاكم.

​تمزق اليمن لأن نظامه كان قائمًا على تمجيد الشيخ والقبيلة، ومن ينكر هذا فهو يكذب على نفسه.

​تمزق اليمن حينما كان ولاء الجيش لمشايخ القبائل، لا للوطن وشعبه.

​تمزق اليمن حينما تولى مشايخ القبائل المناصب السياسية والعسكرية والحزبية.

​تمزق اليمن حينما جعلوا كلمة شيخ القبيلة أعلى وأقوى من الدولة والنظام والقانون وسلطة القضاء.

​وستظل اليمن ممزقة في ظل حكم شيخ القبيلة.


إن أكبر خطيئة ارتكبها هادي هي أنه لم يقرأ التاريخ جيدًا، لم يدرك أن قبائل اليمن وخاصة قبائل طوق صنعاء هي الحاكم الفعلي للبلاد، شئنا أم أبينا.


​هذه هي الحقيقة الموجعة، فهذه القبائل الموزعة تاريخيًا وجغرافيًا بين حزبي المؤتمر والإصلاح، يأتمر الجيش (التقليدي) بأمرها أولًا وأخيرًا.