قعطبة تلك المدينة التي تحتضن في طياتها عبق التاريخ وصدى الحاضر، تقف اليوم على مفترق طرق، لا يربطها بالمدن المجاورة مجرد خطوط مواصلات، بل يربطها بها حنين إلى زمن مضى ووعد بمستقبل أفضل. هي مدينة تتربع على عرش الجغرافيا، تربط بين عدن وصنعاء وإب وتعز، كأنها عقد يجمع خيوط اليمن المتفرقة، لكنها في الوقت ذاته، تبدو كحلم بعيد المنال، مدينة منسية في متاهات الإهمال والتهميش.
في قلب هذه المدينة، تتجلى ملامح المعاناة في كل زاوية، شوارع تغرق في بحار من النفايات، ومجاري صرف صحي تفيض بالمرارة، لتنشر الأمراض والأوبئة كبذور الشر في أرض خصبة. هنا، تتلاشى أحلام الأطفال في غبار الإهمال، وتتلاشى آمال الشباب في ظل غياب الفرص، وتتلاشى صحة كبار السن في ظل نقص الرعاية الطبية.
قعطبة، التي
كانت في الماضي نقطة التقاء بين شطري اليمن قبل الوحدة، لم تجد في الوحدة ما يمحو آثار الماضي، ولم تستفد من موقعها الاستراتيجي في بناء مستقبل مشرق. أصبحت مجرد نقطة عابرة على الخريطة، مدينة تُذكر في التقارير الإحصائية، لكنها تُنسى في خطط التنمية.
مفارقة مؤلمة أن تكون قعطبة، هذه المدينة
لمعطاءة التي تضخ مواردها إلى خزينة الدولة، محرومة من أبسط مقومات الحياة الكريمة. ففي كل عام، تُقدم قعطبة للوطن زكواتها، كأنها تقدم قلبها وروحه، لكنها لا تتلقى سوى الصمت والإهمال.
هنا يئن المستشفى الوحيد تحت وطأة النقص، يئن من نقص الأدوية والمعدات الطبية والكادر الطبي المؤهل، ليصبح ملاذًا للمرضى، ولكنه في الوقت ذاته، مصدرًا لمزيد من المعاناة. هنا تتوقف الأحلام عند أبواب المدارس المتهالكة، وتتلاشى الطموحات في أروقة التعليم المهجور.
قعطبة هي مدينة تحتاج إلى لمسة حنان، إلى نظرة أمل، إلى يد تمتد إليها بالخير والعطاء. إنها تحتاج إلى كفاءات تكنوقراطية قادرة على إحداث التغيير، إلى قيادات شابة طموحة قادرة على رسم مستقبل مشرق، إلى مجلس محلي
كفء قادر على تمثيل مطالب السكان والدفاع عن حقوقهم.
قعطبة تستحق أن تُزهر من جديد، أن تعود إلى سابق عهدها كمدينة نابضة بالحياة، كمدينة تحتضن الأمل، كمدينة تضيء سماء اليمن. إنها تستحق أن تُكتب لها قصة جديدة، قصة انتصار على الإهمال، قصة صعود نحو التنمية، قصة أمل يتجدد في كل صباح.
فهل يستمع صانعو القرار إلى صرخات قعطبة؟ هل يدركون أن هذه المدينة هي جزء لا يتجزأ من الوطن؟ هل يمتلكون الإرادة والشجاعة لتحقيق التغيير المنشود؟ تساؤلات بحاجة إلى إجابات صادقة.
علوي سلمان