الجزء الأول: سقوط الأقنعة الأيديولوجية وهندسة "الجغرافيا البديلة"
يشهد المسرح السياسي في منطقة الشرق الأوسط واحدة من أكثر التحولات دراماتيكية وسريالية في التاريخ الحديث، تحولات تتجاوز الأطر التقليدية لإدارة الصراعات الدولية وتدخل في مساحات "العيث الاستراتيجي". يتجلى هذا بوضوح في الخطاب السياسي الأمريكي الأخير، وتحديداً في الاتصالات الهاتفية الصادمة التي أجراها الرئيس دونالد ترامب مع قادة وممثلي القوى العربية الوازنة في المنطقة — وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية ودولة قطر — واضعاً شرطاً حازماً وحاداً لإنهاء الحرب والمواجهة العسكرية المباشرة مع إيران: الانخراط الإلزامي والفوري في المشروع الصهيوني الجديد المعروف بـ "الاتفاقيات الإبراهيمية".
تضعنا هذه القفزة المفاجئة أمام معضلة تحليلية تستدعي التوقف؛ فمن منظور العلوم السياسية والواقعية الاستراتيجية، كيف يمكن فهم حرب شُنت ضد طرف محدد (إيران)، ثم تأتي القوى الدولية لتطالب أطرافاً أخرى (العرب) بدفع استحقاقات سياسية وفواتير جيوسياسية لهذه الحرب، رغم أنهم لم يكونوا طرفاً مباشراً في آلتها العسكرية ولا في قرار إشعالها؟ ولماذا يُراد للعواصم العربية أن تمنح الكيان الإسرائيلي طوق النجاة و"صك الشرعية والدمج الإقليمي" لإنقاذ رئيس وزرائه بنيامين نتنياهو وحفظ ماء وجهه، بعد أن عجزت آلته العسكرية عن ترجمة ضرباتها إلى انتصار استراتيجي حاسم؟
إن الإجابة عن هذه التساؤلات لا يمكن أن تولد من رحم اللحظة الراهنة، بل تستوجب إعادة قراءة شريط الأحداث من بدايته، وتفكيك أربعة عقود من التواطؤ الضمني والفوضى الخلاقة، لنروي الحكاية كما هي، عارية من مساحيق الشعارات الأيديولوجية.
1. زلزال 1979 وهندسة "الجغرافيا البديلة"
تبدأ فصول هذه الحكاية في عام 1979، مع انتصار ثورة الخميني وسقوط نظام شاه إيران، الذي كان يمثل "شرطي الخليج" والحليف الاستراتيجي المطلق للولايات المتحدة الأمريكية وللمشروع الصهيوني في المنطقة. في تلك اللحظة التاريخية، رفعت الجمهورية الإسلامية الناشئة شعارات أيديولوجية حماسية مدوية: "الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل"، وجعلت من شعار "تحرير القدس وسحق الكيان الصهيوني" المظلة والمشروعية السياسية العابرة للحدود لتمرير مشروعها الحقيقي: "تصدير الثورة وتمديد النفوذ الإيراني".
ولكي تبرر طهران هذا التمدد داخل الجسد العربي، اعتمدت استراتيجية إعلامية وسياسية تقوم على شيطنة الأنظمة العربية وتخوينها، ووصمها بالمداهنة والتآمر مع تل أبيب والتهاون في مقدسات المسلمين. ولكن، على مرأى ومسمع من التاريخ طوال أكثر من أربعة عقود، لم يسجل الواقع أي مواجهة عسكرية مباشرة أو تهديد حقيقي شكلته طهران ضد الاحتلال الإسرائيلي؛ بل بقيت جبهة الجولان السورية — على سبيل المثال — الجبهة الأكثر أماناً وهدوءاً لسنوات طويلة.
في المقابل، أسست إيران ما يسمى "فيلق القدس" التابع للحرس الثوري. والمفارقة التاريخية الكبرى هنا هي أن هذا الفيلق, الذي يحمل اسماً يتجه نحو فلسطين، انحرفت بوصلته العملياتية بالكامل بنسبة 180 درجة ليتمدد سراً وعلناً في الجغرافيا العربية البديلة. وتحت رعاية غض الطرف الدولي، عاثت طهران فوضى في الحواضر العربية؛ فتمددت في لبنان، وسوريا، والعراق، واليمن، ووضعت البحرين على صفيح ساخن من الاضطرابات الأهليّة. جرى ذلك كله عبر بناء وتسليح مليشيات وطنية محلية تمت عولمتها طائفياً، لتدمير بنية الدولة الوطنية، وتفكيك تلاحمها الاجتماعي، وإسقاط العواصم العربية على أسس مذهبية، مما جعل العمق العربي خاصرة رخوة مستباحة أمام التدخلات الدولية.
2. البديهية المقلوبة والهدف الحقيقي للمشروع النووي
من منظور "السياسة الواقعيه، تقتضي البديهية السياسية لأي دولة تدعي وجود عدو استراتيجي ووجودي لها (مثل إسرائيل)، أن تعمل بشكل حثيث على مساعدة دول جوارها الإقليمي لتعزيز استقرارها الأمني، ووحدتها الوطنية، وتلاحمها الاجتماعي. كان المفترض بطهران أن تسعى لبناء "كتلة صمود شرقية" متماسكة، وتتجاوز أي إخفاقات تكتيكية لتعزيز صمود المنطقة في وجه التمدد الصهيوني. وهذه بديهية لا تحتاج إلى عبقرية سياسية، وطالما اتصف رجال السياسة في طهران بالبراغماتية والدهاء.
لكن طهران مارست سلوكاً معكوساً؛ ففي حين أن الدول العربية لم تمارس يوماً سلوكاً تآمرياً جاداً لزعزعة استقرار الداخل الإيراني أو إسقاط نظامه، وحرصت عواصم عربية كبرى على الدفع نحو إقناع الفضاء الإقليمي والدولي بضرورة الحوار مع طهران كمبدأ أساسي لتفكيك أزمات المنطقة وبناء الثقة (وهو ما تجسد لاحقاً في اتفاق بكين 2023 ومسارات التهدئة المرافقة له)، كانت إيران تقابل كل خطوة تقارب عربية بخطوات عملية لمزيد من التمدد وقضم الخارطة العربية، بالتوازي مع خطاب طائفي تصعيدي أحبط أي فرصة لاستمرار الخطاب التصالحي.
على هذا الأساس، يبدو تساؤل العرب وشكوكهم حول أهداف "المشروع النووي الإيراني" تساؤلاً مشروعاً وواقعياً تماماً. فالمعطيات على الأرض تؤكد أن طهران لم تكن تسعى وراء السلاح النووي لمواجهة الكيان الصهيوني — الذي يمتلك ترسانة نووية ضخمة وغطاءً أمريكياً مطلقاً يمنع تغيير قواعد اللعبة بضربة واحدة — بل كان الهدف الجوهري هو امتلاك "مظلة ردع" تحمي استئسادها وتنمرها على دول المنطقة العربية، وشرعنة تمددها المليشياوي، ومنع أي قوة دولية أو إقليمية من محاسبتها وهي تستبيح العواصم والممرات المائية الحيوية.