لوقت طويل كانت المشكلة المحورية في الشرق الأوسط بالنسبة للولايات المتحدة ولحلفائها هي اقتراب إيران من العتبة النووية كما هو معروف.
لكن مع الحرب الأخيرة التي شنها ترامب ضد إيران وتحت تلك الذريعة السابق ذكرها قادت إلى ما هو أخطر بالنسبة للولايات المتحدة والذي يكمن في "تكيف" واشنطن النفسي والسياسي التدريجي مع هذا الاحتمال.
فالقوى العظمى لا تفقد هيبتها عندما تعجز جيوشها عن خوض الحروب بل عندما تبدأ مؤسساتها في "إعادة" تعريف التهديدات بدلاً من منعها.
فعلى مدى السنوات الأخيرة لم تحقق إيران تفوقاً عسكريًا حاسماً على الولايات المتحدة ولم تتحول إلى قوة عظمى تقليدية.
ومع ذلك فقد أنجزت ما هو أخطر من ذلك بكثير وهو دفع واشنطن من استراتيجية "الردع" إلى استراتيجية "إدارة التآكل".
وهنا يكمن جوهر الأزمة الاستراتيجية الراهنة.
حيث يبدو أن الولايات المتحدة تتعامل بشكل متزايد مع التوسع الإيراني بالطريقة التي تتعامل بها الإمبراطوريات المنهكة مع التهديدات المزمنة من خلال ثلاثية "الاحتواء المؤقت" و"التأجيل الاستراتيجي" و"إعادة تدوير الأزمات" بدلاً من حلها.
هذا التحول لا يُقرأ في طهران وحدها فـ "بكين" تراقبه عن كثب و"موسكو" تستغله بمهارة، والعالم بأسره يختبر حدود الإرادة الاستراتيجية الأمريكية.
فالمأزق الحقيقي لم يعد كامنا في عدد أجهزة الطرد المركزي الإيرانية، بل في تآكل الثقة العالمية في استعداد واشنطن لاستخدام قوتها بمجرد أن تفقد الخطوط الحمراء معناها العملي.
الصين أيضاً لا تنظر إلى الملف الإيراني على أنه مجرد قضية شرق أوسطية، بل تعتبره مقياساً لقدرة أمريكا على تحمل مواجهة جيوسياسية طويلة الأمد.
كون "بكين" تدرك أن القوة العسكرية الأمريكية لا تزال هائلة، لكنها تراقب ثلاثية أمريكية متعلقة بصناع القرار بالبيت الأبيض هي الأكثر أهمية بالنسبة لها:
"الإرهاق السياسي، والاستقطاب الداخلي، والتردد المتزايد".
ومن هذا المنظور أصبح الشرق الأوسط انعكاسا مباشرا لآسيا. فالتراجع الأمريكي في الشرق الأوسط "يُقرأ" في بحر الصين الجنوبي، وكل تسوية مؤقتة مع طهران تتحول إلى سؤال استراتيجي أكبر بالنسبة لـ "بكين" هل لا تزال واشنطن تمتلك نفس العزيمة الاستراتيجية التي شكلت النظام الدولي بعد الحرب الباردة؟ في الوقت نفسه فإن "موسكو" لا تريد نصرا إيرانيا كاملًا كون روسيا راضية باستمرار الإرهاق الأمريكي فالكرملين يعرف جيدا أن استنزاف الخصم قد يكون أحيانا أكثر فعالية من هزيمته المباشرة ويدرك أن كل منطقة رمادية تتركها واشنطن في الشرق الأوسط تُصبح فرصة جيوسياسية لموسكو لتعزيز روايتها عن تراجع الهيمنة الأمريكية الأحادية.
فمنذ زمن بعيد أدرك الاستراتيجيون الروس أن النظام العالمي لا يتغير فقط من خلال الحروب الكبرى، بل من خلال تراكم تراجعات أصغر تُعيد تشكيل مفاهيم القوة تدريجيا.
وفي هذا السياق تبدو السياسة الأمريكية الحالية تجاه إيران أقرب إلى سلسلة مكلفة من التأجيلات منها إلى استراتيجية متماسكة.
ومع ذلك تبقى إيران نفسها هي الفاعل الأكثر جرأة في هذه المعادلة.
فطهران تكيفت مع العقوبات وهي لا تختبر قدرات وكلائها الإقليميين فحسب! بل تختبر أيضا حدود صبر أمريكا واستعداد واشنطن لفرض الردع!.
على مدى عقود سابقة تعلمت إيران أو ما حرصت وحلفاؤها مؤخراً على التسمية بـ ((الجمهورية الإسلامية)) تعلمت أن المسألة لا تكمن في تجاوز الخطوط الحمراء، بل في تحديد الخطوط التي لم تعد الولايات المتحدة مستعدة للدفاع عنها حقا!.
وهذه من أخطر اللحظات في تاريخ القوى العظمى.
إنه عندما تُرسل دولة مهيمنة إشارات متناقضة بين الخطاب السياسي والسلوك الاستراتيجي فإن المنافسين لا يفسرون ذلك على أنه حكمة دبلوماسية! بل يُفسرونه على أنه بداية تحول في ميزان القوى العالمي.
أما الأكثر لفتاً للانتباه فهو أن واشنطن تبدو أحيانا وكأنها تعيد تعريف النجاح نفسه. فبدلاً من منع "التوسع" الإقليمي لإيران أصبح الهدف الترامبي منع "الانهيار" الإقليمي التام.
وبدلاً من استعادة الردع تحول التركيز نحو إدارة التصعيد. وبدلاً من فرض معادلات استراتيجية جديدة تعمل السياسة الأمريكية بشكل متزايد ضمن الحدود التي يفرضها خصومها.
وهذه ليست مجرد أزمة شرق أوسطية بل هي أزمة في الإدراك الاستراتيجي الأمريكي. فالتاريخ يعلمنا أن القوى العظمى نادرا ما تنهار بسبب ضربة واحدة. ففي أغلب الأحيان تتراجع من خلال "التكيف والانسحاب" حتى يصبح ما كان يُعتبر تهديدا وجوديا واقعا يمكن السيطرة عليه.
مما جعل الملف الإيراني أكثر خطورة من مشروع نووي أو صراع على النفوذ الإقليمي.
لقد أصبح اختبارا عالميا للأحادية الأمريكية في القرن الحادي والعشرين.
في النهاية قد لا تكون إيران قادرة على هزيمة الولايات المتحدة عسكريا وقد لا تتمكن روسيا أو الصين من قلب النظام الدولي الحالي رأسا على عقب. لكن التحدي الحقيقي يكمن في دفع واشنطن نحو التكيف المستمر مع تآكل نفوذها كما لو كان هذا التراجع أمرا طبيعياً.
إن الإمبراطوريات عندما تصل إلى هذه المرحلة فالخطر لم يعد صعود المنافسين فحسب! بل في اعتياد المركز نفسه على التراجع.
وحينها لن يكون السؤال الحاسم هو ما إذا كانت إيران قد ازدادت قوة؟!! بل ما إذا كانت الولايات المتحدة لا تزال ترى نفسها القوة التي كانتها سابقاً؟!
ولأن العرب أول المعنيين بـ: "الردع" أو بـ: "الترجع"
فإن السؤال يبقى:
أكو عرب؟!