آخر تحديث :الجمعة-29 مايو 2026-10:53م

ذو الحِجّة.. حين تجتمع الأعياد والأعراس

الجمعة - 29 مايو 2026 - الساعة 09:59 م
عمر بامفروش

ها نحن نعيش في هذه الأيام فرحة وبهجة عيد الأضحى المبارك، وتليها أيام التشريق التي جعلها الله أيام أكلٍ وشربٍ وذكرٍ لله تعالى، وأيام فرح وابتهاج بتمام النعمة والفضل منه سبحانه. وفي منطقة السويري تمتد أفراحنا – بإذن الله – لتتجدد بفرحة أخرى وشعيرة عظيمة من شعائر الإسلام، ألا وهي الزواج.


لكنه ليس زواجاً عادياً، ولا فرحة تخص بيتاً دون آخر، بل هو عرسٌ يجمع بلدةً بأكملها، وتتوحد فيه السويري تحت راية واحدة، هي راية التيسير والتكافل والمحبة.


يُعد مهرجان التيسير للزواج الجماعي حدثاً اجتماعياً بارزاً، وموعد السابع عشر من شهر ذي الحجة يوماً ثابتاً ومنتظراً لدى أبناء المنطقة، الذين آمنوا بفكرة التيسير حتى تجذّرت في نفوسهم، وأصبحت ثقافة مجتمعٍ كامل. فقد كان التيسير حلاً ناجحاً ومنقذاً لكثير من الشباب من أعباء وتكاليف الزواج الفردي، وما يترتب عليه من عادات وتقاليد مرهقة وآثار اجتماعية واقتصادية، لعل أبرزها تعطيل الأعمال والانقطاع عن الأشغال وإرهاق الأسر.


ثمانية عشر عاماً وقطار التيسير يمضي بثبات، وثماره يانعة، ونجاحه باهر، وأثره ملموس في مختلف جوانب الحياة الاجتماعية. حتى أصبحت السويري مضرباً للمثل، ومرجعاً يُحتذى به في التنظيم والترتيب والتعاون، وأصبح مهرجان التيسير يُشار إليه بالبنان في ربوع الوطن كافة.


وما كان لهذا النجاح أن يتحقق لولا فضل الله أولاً وأخيراً، ثم بفضل التكاتف والتلاحم والاجتماع الذي تميز به أهل هذه البلدة الطيبة، الذين فُطر أبناؤها على حب الخير والعمل الجماعي، فكان ذلك سر نجاح كثير من المشاريع التي شهدتها السويري عبر السنوات.


لقد أصبح مهرجان التيسير مدرسةً اجتماعية متكاملة، تُدرَّس فيها قيم التعاون، والتطوع، والصبر، والإتقان، والعمل بروح الفريق الواحد. فالكل يعمل كخلية نحل، بكل تفانٍ وإخلاص ومحبة، ليس طلباً لمصلحة شخصية، وإنما من أجل فرحة المنطقة بأكملها. حتى وإن لم يكن في البيت عريس أو عروس، فإن الجميع يعتبر هذا الزواج زواجه، ويحرص على نجاحه وخروجه بأبهى حلة وأجمل صورة.


ولم يقتصر أثر مهرجان التيسير على الجوانب الاجتماعية والتنظيمية فحسب، بل استطاع أيضاً أن يخلّد إرثاً ثقافياً وفنياً زاخراً، وأن يرفد المكتبة الثقافية بمجموعة من الأوبريتات والأعمال الفنية التي وثّقت التراث الحضرمي الأصيل، وأبرزت العادات والتقاليد والقيم المجتمعية بصورة إبداعية مميزة. كما أسهم المهرجان في اكتشاف وصقل العديد من المواهب الشابة من أبناء المنطقة في مجالات التمثيل والمسرح والإنشاد والعمل الفني، ليصبح التيسير منصةً للإبداع، وواجهةً ثقافية تعكس هوية السويري وتراثها العريق.


وبعد أيام قليلة، ستعيش السويري فرحتها الثامنة عشرة بزفاف 144 عريساً وعروساً من أبنائها وبناتها، في أكبر نسخة يشهدها مهرجان التيسير للزواج الجماعي منذ انطلاقته. ويا لها من نعمة عظيمة وفضل كريم من الله تعالى أن يُيسِّر لهؤلاء الشباب والشابات إكمال نصف دينهم وبناء أسرهم على المحبة والاستقرار والعفاف.


إنها نعمة تستوجب الحمد والشكر لله سبحانه وتعالى، فخلف هذا الخير الكبير تقف جهود جبارة يبذلها رجالٌ نذروا أنفسهم لخدمة منطقتهم، وسهروا الليالي، وتحملوا التعب والعناء من أجل أن يروا الفرحة مرسومة على وجوه الجميع.


فتحية إجلال وتقدير واحترام لكل القائمين والعاملين والداعمين لهذا المشروع المبارك، على ما يبذلونه من جهود مخلصة وعطاء متواصل، سائلين الله تعالى أن يجعل ذلك في موازين حسناتهم، وأن يبارك في أعمالهم وأعمارهم.


افرحي يا سويري، وافخري برجالك وشبابك الأوفياء، الذين جعلوا من التكاتف والأخوّة عنواناً لهم، ومن العمل الجماعي طريقاً للنجاح والتميّز.


نسأل الله تعالى أن يديم علينا نعمة المحبة والتكافل، وأن يحفظ عرساننا وعرائسنا من كل سوء ومكروه، وأن يبارك لهم وعليهم، ويجمع بينهم في خير، ويرزقهم حياةً سعيدةً ملؤها المودة والرحمة والاستقرار.