آخر تحديث :الجمعة-29 مايو 2026-10:53م

الرجل الهادئ .. الوجه الأخير للجمهورية

الجمعة - 29 مايو 2026 - الساعة 09:41 م
غادة الحسيني

لم يكن عبد ربه منصور هادي مجرد رئيس يمني مر في زمن مضطرب، بل كان وجهاً لمرحلة كاملة انهارت فيها الأحلام اليمنية الكبرى تحت ثقل الانقسامات والحروب والصراعات التي مزقت الدولة والمجتمع معاً، وبرحيله لا يغيب رجل حكم اليمن في أكثر مراحله قسوة فحسب، بل تغيب معه صفحة طويلة من تاريخ بلد ظل يتأرجح بين مشروع الدولة وأشباح التمزق، بين حلم الجمهورية وواقع المليشيات، وبين الولاء الوطني والولاءات الصغيرة التي نهشت جسد اليمن حتى أوصلته إلى حافة الضياع.


جاء عبد ربه منصور هادي إلى السلطة في لحظة كانت اليمن فيها تقف فوق فوهة بركان، دولة منهكة، وجيش ممزق، وثورة شعبية فتحت أبواب التغيير على مصراعيها، وقوى سياسية تتصارع على مستقبل بلد لم يعد يحتمل المزيد من الأزمات، وفي خضم كل ذلك، وجد الرجل الهادئ نفسه في مواجهة واحدة من أعقد المراحل في تاريخ اليمن الحديث، حاملاً فوق كتفيه وطناً مثقلاً بالتناقضات، ومحاولاً إنقاذ جمهورية كانت تتآكل من الداخل قبل أن تسقط تحت وقع الانقلاب والحرب والتدخلات الخارجية.


لم يكن هادي قائداً شعبوياً يملأ الساحات بالهتافات، لكنه كان شخصية سياسية صنعت حضورها بالصبر الطويل والهدوء الحذر، فمنذ سنواته الأولى في المؤسسة العسكرية بجنوب اليمن، مروراً بأحداث يناير الدامية عام 1986، ثم انتقاله إلى صنعاء بعد تلك الأحداث، وصولاً إلى دوره في مرحلة الوحدة اليمنية وحرب 1994، ظل الرجل يتحرك بصمت داخل دهاليز السياسة والعسكر، حتى وجد نفسه فجأة في صدارة المشهد بعد عقود من البقاء في الظل.


وعندما اندلعت احتجاجات 2011، كان اليمن يبحث عن مخرج من الانهيار، فبرز اسم عبد ربه منصور هادي بوصفه الشخصية القادرة على قيادة مرحلة انتقالية تجنب البلاد السقوط الكامل، وبالفعل، تولى السلطة وسط توافق داخلي ودعم إقليمي ودولي غير مسبوق، في محاولة لبناء دولة جديدة تقوم على الشراكة والحوار بدلاً من الإقصاء والصراع، وخلال سنوات حكمه الأولى، حاول هادي الدفع بمشروع الدولة الاتحادية عبر مؤتمر الحوار الوطني الشامل، الذي جمع مختلف المكونات اليمنية على طاولة واحدة لأول مرة بهذا الشكل الواسع، وبدأ حينها أن اليمن يقترب من لحظة تاريخية فارقة قد تنهي عقوداً من الأزمات المتراكمة، خصوصاً مع الحديث عن دستور جديد وإعادة صياغة شكل الدولة وتقاسم السلطة بصورة أكثر عدالة.


لكن الطريق نحو الدولة لم يكن معبداً كما بدأ في البداية، عندما كانت تحمل في داخلها ألغاماً سياسية وعسكرية واجتماعية ضخمة، ومع كل خطوة نحو التغيير كانت تظهر قوى أكثر استعداداً لإفشاله، وبينما كان اليمنيون ينتظرون ميلاد الجمهورية الجديدة، كانت جماعة الحوثي تتمدد عسكرياً مستفيدة من ضعف الدولة والانقسامات الحادة بين القوى السياسية، لتدخل البلاد لاحقاً في واحدة من أكثر الحروب دموية وتعقيداً في تاريخها الحديث.


سقطت صنعاء، وتفككت مؤسسات الدولة، وتحولت اليمن إلى ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية والدولية، بينما وجد عبد ربه منصور هادي نفسه يقود شرعية محاصرة بالحرب والانقسامات والولاءات المتعددة، فمنذ انتقاله إلى الرياض بعد اجتياح الحوثيين للعاصمة، دخلت البلاد مرحلة جديدة لم يعد فيها القرار اليمني خالصاً كما كان، بل اختلطت فيه الحسابات الداخلية بالأجندات الخارجية، وتوزعت فيه مراكز النفوذ بين قوى وجماعات لا يجمعها مشروع وطني موحد.


وخلال سنوات الحرب، تعرض هادي لانتقادات واسعة، إذ رأى خصومه أنه لم يتمكن من بناء دولة قوية في المناطق المحررة، وأن حكومته غرقت في العجز والانقسام والفساد، بينما اعتبره أنصاره رجلاً حاول الحفاظ على ما تبقى من الجمهورية في زمن كانت فيه البلاد تتفكك من كل الاتجاهات، وأنه واجه ظروفاً أكبر من قدرة أي رئيس على احتوائها.


ورغم الجدل الذي أحاط بتجربته، يبقى عبد ربه منصور هادي واحداً من أكثر الشخصيات التي عاشت التحولات العاصفة في اليمن خلال العقود الأخيرة، فقد كان شاهداً على انهيار الجنوب في ثمانينيات القرن الماضي، وشريكاً في قيام الوحدة اليمنية، وأحد أبرز وجوه حرب 1994، ثم رئيساً لمرحلة الانتقال السياسي، وأخيراً رئيساً في زمن الحرب والانقسام والانهيار الكبير.


لكن المأساة الأشد قسوة في حكاية عبد ربه منصور هادي، لم تكن فقط في خصومه الذين انقلبوا على الدولة، بل في أولئك الذين اقتربوا منه تحت رايات الدعم والمساندة، بينما كانوا يفرغون الشرعية من روحها قطعة بعد أخرى، فالرجل الذي غادر صنعاء هارباً من انقلاب المليشيا، وجد نفسه لاحقاً محاصراً داخل معسكر يفترض أنه جاء لإنقاذه، لكنه كان يعيد تشكيل اليمن على مقاس مصالحه الخاصة، لا على مقاس الجمهورية التي قيل إن الحرب اندلعت لأجلها.

كانت الأبواب تُفتح له في العلن، بينما تُغلق أمامه مفاتيح القرار على الأرض، وكانت الخطب تتحدث باسم الشرعية، فيما النفوذ الحقيقي يُنتزع منها بهدوء، مدينة بعد أخرى، ومؤسسة بعد أخرى، حتى بدا الرئيس وكأنه يقف داخل صورة كبيرة لرجل يملك السلطة، بينما السلطة نفسها تتسرب من بين أصابعه بصمت بارد.


ومع مرور السنوات، لم يعد اليمنيون يرون دولة تُستعاد، بل خرائط جديدة تُرسم فوق أنقاضها، وقوى مسلحة تتكاثر خارج إطار الجمهورية، وولاءات تنمو بعيداً عن العلم اليمني، في مشهد جعل كثيرين يدركون أن بعض الحلفاء لم يكونوا أقل خطراً على الدولة من أعدائها المعلنين، فالذين تحدثوا طويلاً عن حماية اليمن، كانوا يقتطعون من جسده مناطق النفوذ والنقاط الاستراتيجية والموانئ والجزر، وكأن البلاد غنيمة حرب لا وطن يتآكل أمام أعين أبنائه.


وفي أبريل 2022، أعلن نقل صلاحياته إلى مجلس القيادة الرئاسي، منهياً بذلك سنوات طويلة من الحضور السياسي، قبل أن يبتعد عن المشهد حتى إعلان وفاته، ليعود اسمه مجدداً إلى واجهة النقاش حول اليمن وما وصل إليه من تشرذم وضياع، وربما لا تكمن مأساة عبد ربه منصور هادي في شخصه وحده، بل في المرحلة التي ارتبط بها اسمه، مرحلة كشفت هشاشة الدولة اليمنية، وعمق الانقسامات داخل المجتمع، وغياب المشروع الوطني الجامع، فاليمن اليوم لا يبدو بلداً مختلفاً على السلطة فقط، بل بلداً تتنازع أبناءه الولاءات المناطقية والطائفية والحزبية، حتى بات الانتماء للوطن نفسه يتراجع أمام الانتماءات الصغيرة.


ترك هادي خلفه اسئلة ما تزال مفتوحة ومخيفة، أي مستقبل ينتظر اليمن في ظل هذا التشظي؟ وكيف يمكن لدولة أنهكتها الحروب والانقسامات أن تستعيد هويتها الوطنية؟ وهل ما يزال اليمنيون قادرين على الالتقاء حول وطن واحد، أم أن سنوات الصراع صنعت واقعاً جديداً يصعب التراجع عنه؟


إن أخطر ما يواجه اليمن في الوقت الراهن ليس الخراب الاقتصادي أو الدمار العسكري فقط، بل تآكل فكرة الوطن نفسها، وتحول الولاءات من الجمهورية إلى الجماعات، ومن الدولة إلى المشاريع الضيقة، وبينما يغيب رجال وتتعاقب مراحل، يبقى اليمن معلقاً بين ماضٍ ممزق ومستقبل مجهول، ينتظر لحظة نجاة قد تأتي، أو قد تضيع وسط ضجيج الانقسامات الذي لا ينتهي.




غادة الحسيني