في البلدان المستقرة، يرحل الرؤساء وتبقى الدول. اما في اليمن، فالمشهد اكثر تعقيداً؛ إذ لم تكن الدولة كياناً مكتملاً بقدر ما كانت بنية سياسية هشة، تخضع لتحولات حادة في موازين النفوذ، وتتآكل تدريجياً تحت ضغط الصراعات والتجاذبات الداخلية والخارجية.
وصل هادي الى الحكم في لحظة لم تكن انتقالاً سياسياً طبيعياً، بل اعادة ترتيب قسرية لسلطة فقدت توازنها على نحو متسارع. وكانت مؤسسات الدولة قد دخلت بالفعل مرحلة التآكل، ولم تعد القرارات تصنع داخل بنية مؤسسية مستقرة، بل عبر شبكة معقدة من التفاهمات والضغوط وتقاطعات النفوذ.
غادرنا الرئيس هادي، ورغم ما احاط بتجربته من اخفاقات وتعقيدات فرضتها مرحلة متشابكة بالصراعات وتداخلات القوى، فإن فكرة الدولة الاتحادية ستظل مقترنة باسمه بوصفها احد ابرز المخارج السياسية التي طرحت للأزمة اليمنية.
ففي عهده انعقد مؤتمر الحوار الوطني باعتباره اكبر محاولة سياسية لصياغة عقد وطني جديد بين اليمنيين، ومحاولة لاعادة تعريف شكل الدولة وعلاقتها بمكوناتها المختلفة. وربما كان المشروع الاتحادي، رغم ما واجهه من عراقيل وانقلاب، آخر تصور سياسي متكامل حاول انقاذ اليمن من دوامة الصراع على السلطة والثروة.
غير أن المفارقة القاسية تمثلت في أن اللحظة التي كان اليمنيون يناقشون فيها شكل الدولة الجديدة على طاولات الحوار، كانت الدولة نفسها تتآكل على الأرض بوتيرة متسارعة. فبينما كانت السياسة تبحث عن تسوية وطنية، كانت موازين القوة تعاد صياغتها بالسلاح، وسط تصاعد التدخلات الإقليمية والدولية، واتساع نفوذ الجماعات المسلحة على حساب مؤسسات الدولة.
وما شهده اليمن خلال فترة حكمه لم يكن نتيجة غياب الحلول السياسية فقط، بل انعكاساً لعجز السياسة عن حماية نفسها امام تمدد السلاح والمشاريع المسلحة، في بلد باتت فيه القوة الميدانية تتقدم على التوافقات الوطنية.
ولا تزال تجربة هادي محل قراءات متباينة؛ فهي مرحلة مثقلة بالصراعات والانكسارات والتحولات التي اعادت تشكيل اليمن سياسياً وعسكرياً واجتماعياً.
وفي هذا السياق، هناك من يرى أنه عمل على اعادة تعريف السلطة والدولة معاً، وهناك من يحمله مسؤولية ما آلت اليه البلاد، فيما يراه آخرون رئيساً لزمن مضطرب حاول فيه ادارة الممكن، في وقت كانت فيه الدولة تتفكك من الداخل، وتتراجع فيه قدرة السياسة على الامساك بمسار الأحداث.
ومع ذلك، يبدو الأقرب الى التوافق أن هادي لم يكن رئيسا لمرحلة مستقرة تقاس بمعايير الانجاز التقليدي، بل رئيس زمن استثنائي، في لحظة تاريخية لم ينجُ منها احد كاملاً، لا الحكام ولا الاوطان، وكانت وما تزال النجاة السياسية نفسها فعلاً بالغ الصعوبة.
لقد رحل هادي، لكن الاسئلة التي رافقت عهده ما تزال قائمة: هل ارتبطت مسألة استعادة الدولة بشخص الرئيس، ام أنها كانت انعكاساً لأزمة بنيوية اعمق؟ وكيف يمكن بناء دولة في بلد تتنازعه المشاريع المتصارعة؟ وكيف يمكن للسياسة أن تنتصر حين يصبح السلاح هو اللغة الأعلى؟ وكيف يمكن الحفاظ على فكرة الدولة الاتحادية وسط هذا القدر الهائل من التشظي والانهيار؟
ربما كانت مرحلة رئاسة هادي، وما قبلها، لا تعبر عن فشل سياسي فحسب، بل عن انهيار فكرة الدولة نفسها، وعجز اليمن، حتى اليوم، عن إنتاج توازن جديد يعيد للسياسة مكانتها، ويحرر الدولة من الاختطاف، ويعيد اليها معناها وهيبتها.