يُقال إن التاريخ لا يصنعه الطيبون، بل تدونه الوقائع التي تفرضها موازين القوى، لكن رحيل الرئيس عبد ربه منصور هادي يضعنا اليوم أمام لحظة مكاشفة استثنائية؛ لحظة تتجاوز البكائيات السياسية لتنصف رجلًا خسره الوطن في أدق منعطفات تاريخه المعاصر.. ورغم تباين المواقف حوله، لا يملك المنصف إلا أن يقف إجلالًا لجانبه الإنساني النبيل، ومواقفه التي اتسمت بنجدة المظلوم وإنصاف الكوادر.
فمن يقرأ تاريخ هذا الرجل يجد بين سطوره شهادات ناصعة؛ لعل أبرزها ما دونه نجل الصحفي الرياضي الكبير الراحل محمد عبد الله فارع، والتي تمثلت في جبر خاطر وإعادة اعتبار للراحل وأسرته، بعد أن عانى كغيره من الكوادر الكبيرة من النسيان والإقصاء في مراحل سابقة.. غير أن هناك تفاصيل إنسانية صغيرة تلخص هيبة الدولة والعدالة الكامنة في وجدان «هادي»؛ رواها لي الزميل العزيز الصحفي خالد العابد – المهتم بإرث الشاعر الكبير الراحل حسين أبو بكر المحضار – حيث تعرضت شقة المحضار في المشروع السكني الليبي بصنعاء للاقتحام والاحتلال من قِبل أحد العسكر المتنفذين.
عجز الجميع عن إخراج ذلك المغتصب، وكان المحضار بزهده المعهود لا يسأل عنها، حتى علم ذات يوم بالأمر، فسأل العابد بلهجته «الشحرية» العذبة: «هل تصرفت بالشقة؟»، ليجد العابد نفسه مضطرًا لسرد خيبة العجز أمامه بعد أن طرَق كل الأبواب لاستعادة الشقة المغتصبة.. لكن المحضار لم يبتئس، بل قال بوقار: «لا عليك». وفي أول زيارة للشاعر الكبير إلى صنعاء، قادته خطاه إلى مكتب عبد ربه منصور هادي – الذي كان نائبًا للرئيس حينها – وبثَّ إليه شكواه.. ولم ينقضِ اليوم ذاته إلا وهاتف العابد يرن، داعيًا إياه لاستلام الشقة بعد أن حُررت من المغتصب بقوة النظام والقانون؛ تلك هي الاستثنائية الكامنة في رجل كان ينظر إلى العدالة كواجب لا يقبل المماطلة.
لم يكن عبد ربه منصور هادي رئيسًا عاديًا؛ فهو قائد عسكري خبرته المؤسسة العسكرية في مراحل مختلفة، وقد جاءت به الأقدار في فبراير 2012 إلى سدة الحكم عبر استفتاء شعبي، لكنه بطيبة البدوي ونقائه في فهم السياسة، واجهته جائحة من «ضباع» الغدر، وتفاهات الخداع، وخيانات نخب باعت ولاءاتها في سوق النخاسة السياسية، ليجد الرجل نفسه في نهاية المطاف منفيًا، شبه أسير، خلف جدران قصر مغمور.
لكن الطعنة الأخيرة، والأكثر إيلامًا بحق رئيس شرعي مَثّل اليمن برمزية سيادية، لم تكن في إزاحته، بل في أن يُوارى جثمانه الثرى بعيدًا عن تراب وطنه! إنها طعنة متعمدة ومقصودة، لا تستهدف شخص عبد ربه منصور هادي فحسب، بل تستهدف تاريخ هذا الوطن، وشرعيته، وكرامته.
رحم الله الرئيس عبد ربه منصور هادي، غادرنا جسدًا، وترك خلفه درسًا قاسيًا؛ أن الدول لا تُبنى بالنوايا الحسنة وحدها، بل بالعدالة والبنادق الشريفة التي لا تخون علم البلاد.