آخر تحديث :الخميس-28 مايو 2026-09:43م

وداعا أبا جلال... رجل الدولة الذي خانه الأقربون

الخميس - 28 مايو 2026 - الساعة 07:54 م
محمد العنبري

يرحل بعض الرجال فتغيب أسماؤهم مع مرور الوقت، بينما يرحل آخرون وتبقى أفكارهم حيّة في الوجدان، تتردد في ذاكرة الشعوب كلما اشتدت المحن، وكلما بحث الناس عن معنى الدولة الحقيقي وهكذا كان “أبو جلال” لم يكن مجرد رئيس عابر في سجل السياسة، بل كان مشروع وطنٍ كامل، ورؤية قائد حاول أن ينتشل بلاده من مستنقع الصراعات إلى فضاء الدولة المدنية العادلة.


لقد آمن أن الوطن لا يبنى بالكراهية، ولا تصنع هيبة الدولة بالانتقام وتصفية الحسابات، بل بالشراكة الوطنية، والعدالة، واحترام الإنسان كان يرى أن الحوار، مهما بدا شاقا، أقل كلفة من الحرب، وأن المستقبل لا يمكن أن يولد من فوهات البنادق، بل من عقول تؤمن بالتعايش، وقلوب تتجاوز جراح الماضي نحو أفق أوسع.


لم يكن يبحث عن مجد شخصي أو سلطة يتشبث بها، بل كان يحمل حلما كبيرا لوطن يتسع للجميع، شماله وجنوبه، قراه ومدنه، فقراؤه وأغنياؤه، المختلفون فيه قبل المتفقين لذلك حاول أن يفتح أبواب السياسة أمام الجميع، وأن يمنح خصومه قبل حلفائه فرصة المشاركة في بناء الدولة لكنه دفع ثمن تلك الروح المتسامحة غاليا، لأن السياسة في أوطاننا كثيرا ما تكافئ القسوة وتعاقب النبل.


كان يؤمن أن التسويات الوطنية ضرورة، وأن البلاد المنهكة بالحروب لا تحتمل المزيد من الدماء، فاختار طريق الحكمة في زمن كان الجميع يركضون فيه نحو الهاوية لكن الخذلان كان أقرب إليه من ظله، والطعنات جاءت من الأيدي التي منحها ثقته، ومن الوجوه التي اقتربت منه باسم الوفاء بينما كانت تخفي خلف ابتسامتها مشاريع الغدر والانقلاب على الحلم الكبير.


رحل أبو جلال وهو يحمل في قلبه وجع الوطن، وحلم الدولة الاتحادية التي أرادها جسرًا لعبور اليمنيين نحو المستقبل، لا ساحة جديدة للصراع رحل وفي داخله إيمان بأن الأوطان لا يمكن أن تستقر إلا حين يشعر الجميع أنهم شركاء فيها، لا تابعون أو مهزومون لكنه وجد نفسه وحيدًا في لحظاتٍ كثيرة، يقاتل من أجل الفكرة بينما كان كثيرون يقاتلون من أجل مصالحهم الضيقة.


لقد كان يدرك أن بناء الدولة أصعب من هدمها، وأن إصلاح الخراب المتراكم يحتاج إلى صبرٍ طويل وإرادة صادقة، لكنه مع ذلك لم يتراجع عن مشروعه، ولم يسمح للأحقاد أن تتحكم بقراراته كان يحاول أن يكون رئيسًا لكل اليمنيين لا قائدًا لفئة ضد أخرى، ولهذا بقي مختلفا في نظر من فهموا معنى الدولة، ومعنى أن يكون الحاكم أكبر من جراحه الشخصية.


وحين نتأمل اليوم حجم الانهيار الذي وصلت إليه البلاد، ندرك كم كان ذلك الرجل يحمل رؤية سبقت زمنها، وكم كانت الفرصة التي ضاعت كبيرة فالوطن الذي كان يحلم به لم يكن وطن الغلبة والإقصاء، بل وطن القانون والمؤسسات، وطن المواطن الذي يعيش بكرامة بعيدا عن سطوة السلاح ومزاج الجماعات والمصالح الضيقة.


وداعا أبا جلال...

لقد رحلت جسدا، لكنك بقيت فكرة حيّة لا تموت بقيت رمزا لرجل الدولة الذي حاول أن ينتصر للوطن لا لنفسه، وأن يبني جسورا فوق أنهار الدم بدلًا من أن يزيدها اتساعا سيذكرك الناس كلما اشتاقوا لمعنى الدولة، وكلما بحثوا عن قائد يحمل الوطن في قلبه قبل أن يحمله على كتفيه.


نم قرير العين فقد مضيت تاركا خلفك حكاية رجل حاول أن يزرع الأمل وسط العواصف، وأن يعلّم السياسة معنى الإنسانية رحمك الله رحمة واسعة، وطيب ثراك، وجعل ذكراك نورا لا ينطفئ في قلوب من عرفوا قيمتك، وفهموا أن الأوطان العظيمة لا يصنعها المنتقمون، بل يصنعها الحالمون بوطن يتسع للجميع.

محمد العنبري