آخر تحديث :الخميس-28 مايو 2026-07:10م

في حضرة وداع الرئيس هادي .. فارس اليمن الذي ترجل

الخميس - 28 مايو 2026 - الساعة 01:16 م
حلمي عقيل

حين يرحل الرجال الذين حملوا الوطن على أكتافهم في أصعب المراحل، لا يكون الحديث عن السياسة وحدها، بل عن سيرة إنسانية طويلة تختلط فيها المعاناة بالصبر، والسلطة بالمسؤولية، والحرب بمحاولات النجاة بالدولة من الانهيار.


رحيل الرئيس السابق عبدربه منصور هادي ليس حدثاً عابراً في ذاكرة اليمنيين، بل نهاية مرحلة كاملة من تاريخ اليمن الحديث، مرحلة كانت مليئة بالعواصف والانقسامات والحروب، وكان الرجل يقف في قلبها محاولاً الإمساك بما تبق

ى من الدولة في زمن كانت فيه البلاد تتهاوى من كل الجهات.


لم يكن عبدربه منصور هادي من أولئك القادة الذين يجيدون صناعة الضجيج أو الخطابات الحادة، بل كان أقرب إلى شخصية هادئة بطبعها، تميل إلى الصمت أكثر من المواجهة، وإلى القناعة أكثر من التمسك بالمكاسب. ولهذا ربما اختلف حوله كثيرون، لكنهم اتفقوا في النهاية أن الرجل حمل عبئاً ثقيلاً في واحدة من أخطر المراحل التي مرت بها البلاد.


في زمن أصبح فيه الكرسي غاية بحد ذاته، اختار هادي أن يغادر السلطة بقناعته، بعدما ظل لسنوات يتحمل ضغوطاً هائلة داخلياً وخارجياً. لم يكن مشهداً مألوفاً في المنطقة العربية أن يترك رئيس موقعه طواعية بعد كل تلك السنوات المضطربة، لكنه فعل ذلك بهدوء يشبه شخصيته التي عرفها الناس.


وعندما اندلعت الحرب، وجد الرجل نفسه أمام اختبار تاريخي قاسٍ. وقف في مواجهة مشروع جماعة الحوثي والرئيس

السابق علي عبدالله صالح، وتمسك بشرعية الدولة رغم كل ما تعرض له من ضغوط وحصار وحملات سياسية وإعلامية. وفي تلك اللحظات الحرجة، لم يكن الصراع بالنسبة له صراع نفوذ شخصي، بقدر ما كان معركة تتعلق ببقاء الجمهورية ومنع سقوط مؤسسات الدولة بشكل كامل.


تحمل هادي سنوات طويلة من الهجوم والخذلان، وواجه انتقادات قاسية من خصومه وحتى من بعض المقربين منه، لكنه ظل متمسكاً بخطاب هادئ لا يميل إلى الانتقام أو الإساءة. وربما كانت هذه واحدة من أكثر الصفات التي ميزته، إذ ظل يؤمن أن الوطن أكبر من الجميع، وأن الخصومات السياسية مهما بلغت لا ينبغي أن تتحول إلى كراهية دائمة.


لقد عاش الرجل سنواته الأخيرة بعيداً عن الأضواء، بعد أن استنزفته السياسة والحرب والمنفى، تاركاً خلفه إرثاً سياسياً معقداً سيختلف حوله اليمنيون طويلاً، لكن أحداً لا يستطيع إنكار أن الرجل كان حاضراً في أخطر المنعطفات التي مرت بها البلاد، وأنه حمل مسؤولية ثقيلة في وقت كان كثيرون يفضلون الابتعاد عن المشهد.


رحل عبدربه منصور هادي، ورحل معه جيل كامل من السياسيين الذين خاضوا معارك اليمن القديمة والحديثة، وبقيت سيرتهم جزءاً من ذاكرة وطن أنهكته الحروب والانقسامات. وبين مؤيد ومعارض، سيظل اسم الرجل مرتبطاً بمرحلة مفصلية حاول فيها الحفاظ على ما تبقى من الدو

لة وسط عاصفة لم تكن سهلة على أحد.


رحم الله عبدربه منصور هادي، وغفر له، وأسكنه فسيح جناته، وألهم أهله ومحبيه الصبر والسلوان.