آخر تحديث :الخميس-28 مايو 2026-07:10م

حين يترجل الرجال الكبار… اليمن يودّع عبدربه منصور هادي

الخميس - 28 مايو 2026 - الساعة 12:59 م
د. نوال مكيش

في اللحظات الفاصلة من تاريخ الأوطان، لا يغيب الأشخاص بوصفهم أفرادًا فحسب، بل تغيب معهم مراحل كاملة، وتطوى برحيلهم صفحات مثقلة بالصراع والتضحيات والتحولات الكبرى. وبرحيل الرئيس اليمني عبدربه منصور هادي، يفقد اليمن واحدًا من أبرز رجاله الذين ارتبطت أسماؤهم بمحطات دقيقة وعاصفة من تاريخ الجمهورية اليمنية الحديثة.

لم يكن عبدربه منصور هادي مجرد مسؤول عابر في مؤسسة الحكم، بل كان رجل دولة تشكل وعيه السياسي والعسكري في قلب التحولات الوطنية الكبرى، وعاصر مختلف المنعطفات التي مرّت بها اليمن، من زمن التشطير إلى الوحدة، ومن الحرب إلى محاولات بناء الدولة، ومن الانقسام إلى البحث المضني عن السلام.

ولد في جنوب محافظة ابين، وحمل همّ الجمهورية مبكرًا، فانخرط في المؤسسة العسكرية، وشق طريقه وسط تعقيدات المشهد اليمني، حتى أصبح أحد أبرز القيادات الوطنية التي لعبت أدوارًا مفصلية في الحفاظ على كيان الدولة اليمنية ووحدتها السياسية. وكان حضوره في مرحلة ما بعد الوحدة حضورًا محوريًا، حيث تحمّل مسؤوليات جسيمة في ظروف استثنائية بالغة التعقيد.

وحين عصفت العواصف باليمن، وانهارت مؤسسات، وارتبكت التحالفات، وجد هادي نفسه أمام واحدة من أثقل المراحل في تاريخ البلاد؛ مرحلة اختلط فيها السياسي بالعسكري، والإقليمي بالداخلي، والمأساة بالأمل. ورغم كل ما واجهه من حملات وانتقادات وصعوبات، ظل متمسكًا بفكرة الدولة، ومؤمنًا بأن الجمهورية لا ينبغي أن تسقط مهما بلغت التحديات.

لقد قاد اليمن في ظرف استثنائي لم يكن فيه القرار سهلًا، ولا المشهد واضحًا، ولا الخيارات متاحة كما يتصور البعض. كانت البلاد تتهاوى تحت وطأة الانقلاب والحرب والانقسام، وكان عليه أن يتحرك وسط حقل ألغام سياسي وعسكري وإقليمي شديد التعقيد. وربما اختلف معه كثيرون، لكن أحدًا لا يستطيع إنكار أنه حمل عبئًا ثقيلًا في أكثر اللحظات قسوة في تاريخ اليمن الحديث.

سيذكر التاريخ أن عبدربه منصور هادي لم يكن باحثًا عن المجد الشخصي بقدر ما كان رجل مرحلة فرضتها التحولات الكبرى. وقد اختار أن يتحمل المسؤولية في زمن كان كثيرون يفرون فيه من المواجهة. تحمل الأذى السياسي، والهجوم الإعلامي، وضغوط الداخل والخارج، لكنه بقي حاضرًا في معركة الدفاع عن شرعية الدولة اليمنية والجمهورية والنظام الوطني.

برحيله، لا يودّع اليمن رئيسًا سابقًا فقط، بل يودّع شاهدًا على عقود من التحولات الوطنية، ورجلًا حمل في ذاكرته تفاصيل الصراع اليمني بكل تعقيداته وآلامه وآماله.

رحل عبدربه منصور هادي، لكن سيرته ستبقى جزءًا من السردية الوطنية اليمنية، بما لها وما عليها، وسيظل اسمه حاضرًا في ذاكرة اليمنيين باعتباره أحد الرجال الذين وجدوا أنفسهم في قلب العاصفة، فاختاروا البقاء في موقع المسؤولية حتى النهاية.

رحم الله الرئيس عبدربه منصور هادي، وأسكنه فسيح جناته، وألهم اليمن وأهله الصبر، وحفظ الوطن من مزيد من الانكسارات، وجعل المستقبل أكثر أمنًا وعدالة واستقرارًا.