آخر تحديث :الثلاثاء-26 مايو 2026-02:27ص

لماذا نُصرّ على جلد الذات؟

الإثنين - 25 مايو 2026 - الساعة 11:10 م
عبدالناصر صالح ثابت

م.عبدالناصر صالح ثابت


من الملاحظ في الخطاب السیاسي الجنوبي أن كثیراً من القیادات، سواء ممن تولّوا المسؤولیة في مراحل

سابقة أو من الوجوه السیاسیة التي برزت في السنوات الأخیرة، وكذلك النشطاء والصحفیون، یحرصون في

كل حدیث أو مقابلة أو منشور على استدعاء أخطاء الماضي، والتأكید على أن تلك الأخطاء ھي التي

أوصلت الجنوب إلى ما ھو علیھ الیوم.

لا شك أن الاعتراف بالأخطاء یمثل خطوة مھمة في مسار المراجعة والتصحیح، وھو سلوك صحي حین

یكون الھدف منھ استخلاص الدروس وتفادي تكرارھا. غیر أن المشكلة تبدأ عندما یتحول ھذا الاعتراف

إلى حالة دائمة من جلد الذات، وإلى خطاب یكرر الإخفاقات أكثر مما یستحضر فرص النھوض. عندھا

الجدیدة. یصبح الحدیث عن الماضي عبئاً یستھلك الطاقات، ویزرع الإحباط، ویبعث برسائل سلبیة إلى الأجیال

الشعوب التي نجحت في تجاوز أزماتھا لم تبنِ مستقبلھا على اجترار أخطاء الأمس، بل على قدرتھا على

التعلم منھا والانطلاق بثقة نحو الغد. ومن المفید للجنوبیین أن یتأملوا في تجارب الآخرین، وفي مقدمتھم

تحقیق أھدافھا بدلاً من البقاء أسرى للتجارب السابقة. الدول التي استطاعت التعامل مع ماضیھا بواقعیة وھدوء، فحافظت على تماسكھا، ووجّھت جھودھا نحو

ولنا في قوى الشمال مثال واضح؛ فعلى الرغم مما شھدتھ من صراعات وخلافات في الماضي والحاضر،

فإنھا لا تنشغل كثیراً بجلد الذات، بل تبدو أكثر ثباتاً وحكمة في التعامل مع الواقع، والسعي إلى إیجاد حلول

ممكنة تجمعھا أكثر مما تفرقھا.

إن استمرار جلد الذات لا یفتح أبواب المراجعة بقدر ما یفتح أبواب الإحباط والتشكیك، ویعید إنتاج

الخلافات القدیمة، ویشغل الأجیال الصاعدة بالتنقیب في الماضي بدلاً من الانخراط في صناعة المستقبل.

كما أنھ یضعف الروح المعنویة، ویقید القدرة على التفكیر الإیجابي، في وقت یحتاج فیھ الجنوب إلى عقول

منفتحة، وأدوات حدیثة، وأسالیب عمل تتناسب مع حساسیة المرحلة ودقتھا.

لقد آن الأوان لأن یتحول الخطاب الجنوبي من لغة اللوم إلى لغة البناء، ومن استحضار الانقسامات إلى

تعزیز الثقة، ومن التركیز على ما حدث بالأمس إلى العمل الجاد من أجل ما ینبغي أن یتحقق غدا.ً

فالمستقبل لا یصنعھ من یجلد ذاتھ باستمرار، بل من یتعلم من أخطائھ، ویتجاوزھا، ویواصل السیر بثبات

نحو أھدافھ الكبرى.

وفي الختام، فإن من یمتلك حلولاً ومبادرات قادرة على إخراج الجنوبیین من مأزقھم الراھن، علیھ أن یتقدم

بھا بروح إیجابیة ومسؤولة، بدلاً من الانشغال بتحلیل محاولات الآخرین التي لم یُكتب لھا النجاح. أما

الاستمرار في جلد الذات، دون تقدیم بدائل عملیة، فقد یُفھم على أنھ استنزاف للطاقات وإضعاف للمعنویات،

وھو ما یصبّ ـ بقصد أو من دون قصد ـ في مصلحة الخصوم الذین یسعون إلى إرباك الصف الجنوبي

وتعطیل تقدمھ.