آخر تحديث :الثلاثاء-26 مايو 2026-02:27ص

القصيدة التي عطّرت العيد وأخفت بين حروفها "شيخاً وطريقةً"...

الإثنين - 25 مايو 2026 - الساعة 08:44 م
د. سلطان مشعل

في الذاكرة العربية إرتبط العيد دوما بالقصيدة المغناة.

فمنذ أن شَدَت أم كلثوم بـ "يا ليلة العيد آنستينا" تحولت الأعياد إلى مواسم هوية تعيد إنتاج الفرح العربي بصيغ مختلفة.

ثم جاءت "من العايدين" لتدخل الروح الخليجية في وجدان المناسبة بدفئها المحلي.

فيما ظلت "مبارك يا عيد مبارك" جزءا من الطقس السمعي الشعبي في أكثر من بلد عربي..

أما في اليمن فقد امتلك العيد نكهته الخاصة؛ حيث لم تكن "آنستنا يا عيد" لمطهر الإرياني وحدها هي التي مزجت الفرح الشعبي بالهوية اليمنية العميقة.

بل لقد كان هنالك عملٌ هو الأقوى من بين كل تلك الأعمال التي أحيت الوجدان اليمني في الأعياد.

إنها القصيدة التي لم تجعل العيد مناسبة زمنية فقط! بل جعلته حالةً روحيةً وعطراً وجوديًا.

فليست كل القصائد التي تتحدث عن الحب تنتمي بالضرورة إلى الغزل التقليدي.

فثمة نصوصٌ تتجاوز ظاهرها العاطفي لتلامس طبقات أعمق من الوعي الروحي والوجداني حتى تبدو وكأنها تعيد إنتاج التجربة الصوفية بلغة الفن والغناء.

ومن بين تلك النصوص تقف قصيدة: "يا حب يا ضوء القلوب"

للشاعر الكبير عبدالله عبدالوهاب نعمان..


فهذه القصيدة تعتبر نشيد حب متكامل لكنها في باطنها تمثل نصا صوفيا مكتمل الأركان.

حين يقول الفضول:

" يا حب يا تسبيح وجداني وروحي للإلاه"

فنحن لا نكون أمام توصيف عاطفي اعتيادي، بل أمام انتقال خطير من الحب الإنساني إلى الحب المقدس.

هنا لا يعود الحب علاقة بين اثنين فقط بل يتحول إلى حالة حلول وجداني يذوب فيها العاشق داخل المعنى الأعلى للجمال.

وهذا بالضبط ما يفسر تلك اللغة المفعمة بالمفردات الروحية:

"تسبيح، صلاة، روح، إيمان، نور، صبح، عيد".

إنها أقرب إلى مفردات التصوف منها إلى قاموس العشاق.

في التراث الصوفي الإسلامي عند رابعة العدوية مثلا لم يكن الحب مجرد ميل بشري بل حالة فناء كامل في المحبوب الإلاهي.

كانت رابعة تقول:

"أحبك حبين: حب الهوى وحبا لأنك أهل لذاكا"

وهنا يبدأ الفرق بين العشق الجسدي والعشق الوجودي.

فالحب عند المتصوفة ليس "امتلاكا للحبيب" بل "ذوبانا فيه".

ولهذا نجد في قصيدة الفضول الامتداد المعلن لذلك التصوف الإيماني، فالعاشق لا يصف الحبيب بوصفه إنسانا فقط بل بوصفه مصدر النور والقداسة والفرح الكوني:

"تتعطر الأعياد منك أو تعطر بك زهور"

لاحظ كيف لم يعد الحبيب يتعطر بالعيد بل صار العيد ذاته يستمد عطره منه!.

وهنا ندخل إلى المنطقة الأخطر في التصوف الأدبي وهي منطقة: (الحلول الرمزي).

أي أن المحبوب يغدو حاضرا في كل شيء في "الزهور، الضوء، الصباح، الأعياد، وحتى في معنى الحياة نفسها".

وهذا قريب فنياً من نظريات الحلول والاتحاد التي ظهرت عند بعض المتصوفة حيث يذوب الحد الفاصل بين الذات والمحبوب حتى يصبح الوجود كله انعكاسا لذلك الحب.


صحيح أن الشاعر "الفضول" لا يذهب إلى التصوف الفلسفي الحاد كما فعل الحلاج حين قال:

أنا مَن أهوى، ومن أهوى أنا

لكنه يقترب من البنية الشعورية ذاتها ولكن بلغة أكثر رقةً وأفيأ ظلالاً.

فالقصيدة كلها قائمة على فكرة الامتزاج الثلاثي:

-قلبان يسيران معاً

-حب يتحول إلى صلاة

-عاطفة ترتقي حتى تصبح عبادة جمالية.

ولهذا لم يشعر القارئ أو المستمع اليمني يوما أن القصيدة ثقيلة رغم عمقها الفلسفي! لأن الفضول أخفى التصوف داخل الموسيقى ومَرّر الفكرة الوجودية عبر العاطفة الشعبية.

وهنا تكمن عبقريته.

لقد فعل ما فعله كبار شعراء التصوف عبر التاريخ حيث أخفى الأسئلة الكبرى داخل اللغة الرقيقة!

لكن السؤال:

لماذا بقيت هذه القصيدة حيّة رغم تغيّر الأزمنة والأذواق؟

لأنها لامست ذلك الفراغ الروحي الذي يعانيه الإنسان الحديث.

فالإنسان العربي اليوم يعيش ظرف هوية خانق وعصر مادة ضاغط وتتوزع فيسيولوجيته بين "ضجيج السياسة

ومتطلبات العاطفة" وبين "العلاقات السريعة ومشاعر السطح".

لذلك تبدو قصيدة الفضول وكأنها قادمة من زمن أكثر نقاء ومن مكان أكثر صفاء حيث الحب هناك قيمة أخلاقية وروحية لا مجرد ترف عابر.

والتي منحها صوت الفنان أيوب طارش خلودا استثنائيا بوصفها نصا من أكثر النصوص الأدبية اليمنية التصاقا بـ الروح لا بـ الأذن فقط!

إنها لا تقول: أحبك فقط! بل تقول: إن الحب قادر على إعادة ترتيب العالم.

وأن العيد بلا "محبة" مجرد "تقويم" وأن الإنسان بلا "عشق" روحي مجرد "آلة" تمشي على الأرض.

وربما لهذا السبب تحديدا ما تزال القصيدة تعيش في الذاكرة اليمنية والعربية رغم كل الخراب.

لأن الشعوب مهما غرقت في السياسة والحروب تبقى محتاجة إلى شيء يذكّرها بأنها لم تُخلق للكراهية فقط، وأن الروح التي لا تتعلم "الحب" تتعلم "القسوة"!.


ويبقى السؤال:

أكو عرب؟!