آخر تحديث :الإثنين-25 مايو 2026-07:25م

​إنعاش الكهرباء على سرير الموت.. وتركة الفساد الموروث

الإثنين - 25 مايو 2026 - الساعة 03:45 م
شوقي السقاف

من وسط البيوت المخنوقة بلهيب الحر، ومن قطرات عرق الطلاب التي تبلل كراريس المذاكرة كفاحاً من أجل المستقبل، ومن عيون الأطفال الذين ينامون على دموع التعب؛ يرتفع صوت المعاناة اليومية ليعبر عن أزمة لم تعد مجرد انقطاع تيار، بل أصبحت استنزافاً لكرامة المواطن وصبره. إن حاجة الناس اليوم للنور ليست رفاهية، بل هي صرخة استغاثة من مدن ومنازل أنهكها الظلام، وطال انتظارها لأبسط حقوق العيش الآدمي.


​جذور الأزمة: بين تهالك المنظومة وثقافة "عدم التسديد"

​إن ما يعيشه المواطن من انقطاعات مريرة يعود لـانهيار شبه كامل في بنية تحتية متهالكة؛ فمعظم محطات التوليد تجاوزت عمرها الافتراضي وتفتقر للصيانة، وشبكات النقل تعاني رداءة التوصيلات والربط العشوائي الذي يهدر الطاقة. ويتضاعف هذا العجز بفعل غياب وقود التشغيل المستدام، وثقافة "عدم تسديد الفواتير" التي تحرم القطاع من السيولة اللازمة للبقاء.


​غول الفساد الموروث..

​خلف هذا الشلل الفني يقف الداء الأكبر: الفساد المستشري والمتوارث عبر عقود. لقد تحول الفساد في هذا القطاع إلى شبكة مصالح معقدة (كتجارة الطاقة المشتراة وصفقات الوقود الرديء) تجني أرباحاً من استمرار الظلام. هذا الإرث الثقيل أصبح هيكلاً موازياً لا يمكن لأي قوة القضاء عليه بين عشية وضحاها، بل يتطلب جراحة استئصالية طويلة المدى.


​قيادة الوزارة: جهود مضنية وسط الألغام..

​وإنصافاً للحق، لا يمكن إغفال الدور والمحاولات المستمرة التي تبذلها قيادة وزارة الكهرباء الحالية في بيئة أشبه بالسير في حقل ألغام. إن المتابعات المستمرة على مدار الساعة، والنزولات الميدانية المفاجئة للمحطات وغرف التحكم، تعكس رغبة حقيقية في الرقابة المباشرة ومحاربة التقاعس. إنها جهود "إسعافية" مضنية تهدف لتوفير الحد الأدنى المقبول للمواطن بما يتوفر من إمكانيات شحيحة، ومنع الموت السريري الكامل للمنظومة.


​مسؤولية الدولة الاستدامة ..

​إن الانتقال من مرحلة المعاناة إلى الاستدامة هو مسؤولية الحكومة والدولة بكافة أجهزتها، ويتطلب التخلي عن الحلول الترقيعية والتوجه فوراً نحو:

​الطاقة البديلة: إنشاء محطات تعمل بالغاز والتوسع في الطاقة الشمسية لتقليل كلفة الوقود.

​إعادة هيكلة الشبكة: إدخال العدادات الذكية مسبقة الدفع لمحاربة العشوائية وضمان التحصيل.

​سيادة القانون والحوكمة: فرض هيبة القانون لوقف سرقة التيار، واعتماد الشفافية المطلقة، وتمكين الكفاءات الشابة والمؤهلة.


​خاتمة:

إن إصلاح الكهرباء معركة وعي مجتمعي، وإمكانيات دولة، وإرادة سياسية. وبينما تكافح قيادة الوزارة لإبقاء بصيص الضوء متاحاً، يجب على الدولة إدراك أن الحل لن يأتي بالمعجزات، بل بخطوات مدروسة تقتلع الفساد تدريجياً، لتستعيد المدن نورها المسلوب.