آخر تحديث :الخميس-30 يوليو 2026-12:48ص

هل أصبحت "بكين" قِبلةً سياسيةً للعالم؟! وأين العرب من المشهد؟

الأحد - 24 مايو 2026 - الساعة 03:33 م
د. سلطان مشعل


في السياسة الدولية لا تُقاس مكانة العواصم بعدد ناطحات السحاب ولا بحجم الجيوش فقط بل بعدد القادة الذين يشدّون الرحال إليها حين تضطرب خرائط العالم.

وحين تتحول مدينة ما إلى محطة إلزامية للخصوم والحلفاء معا فذلك يعني أن ميزان القوة العالمي بدأ يتحرك بصمت، وأن النظام الدولي يدخل طورا جديدا.


خلال الأشهر القليلة الماضية لم تكن بكين مجرد عاصمة لدولة صاعدة بل بدت وكأنها "مركز الجاذبية" الجديد للنظام العالمي.

وفودٌ أوروبية متلاحقة وزيارات رفيعة المستوى ومباحثات سياسية واقتصادية وأمنية تكاد لا تتوقف.

المملكة المتحدة، فنلندا، أيرلندا، ألمانيا، إسبانيا، ووفود من الاتحاد الأوروبي، جميعها يَممت وجهها شرقا وكأن العالم يعيد اكتشاف البوصلة من جديد!


رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر زار بكين على رأس وفد اقتصادي رفيع في إشارة واضحة إلى أن المصالح الاقتصادية باتت أقوى من خطاب فك الارتباط الذي حاولت واشنطن تسويقه لسنوات.

ومن فنلندا جاءت زيارة رئيس الوزراء بيتري أوربو كأول زيارة بهذا المستوى منذ عقد كامل، بما يعكس إدراكا أوروبيا متزايدا بأن القطيعة مع الصين لم تعد خيارا واقعيا.

أما أيرلندا وألمانيا وإسبانيا فقد حملت زيارات قادتها رسالة مفادها: لا يمكن إدارة الاقتصاد العالمي أو حماية الأسواق الأوروبية أو تأمين سلاسل الإمداد دون تفاهمات عميقة مع بكين.


لكن ما يجري يتجاوز الاقتصاد بكثير!


إنه تحوّل جيوسياسي تاريخي يعيد رسم هرم القوة الدولية.

فـ بكين لم تعد مجرد "مصنع" بل باتت تُقدِّم نفسها كقوة قادرة على إدارة التوازنات الدولية واحتواء التصعيد، وطرح بديل عملي للنظام الأحادي الذي قادته واشنطن منذ نهاية الحرب الباردة.


لقد أدركت العواصم الكبرى أن الصين هي الدولة الوحيدة القادرة على الحديث مع الجميع في وقت واحد:

مع موسكو دون عداء،

ومع واشنطن دون قطيعة،

ومع طهران دون مواجهة،

ومع أوروبا دون إرث استعماري مباشر.


وهذه تحديدا هي نقطة القوة الصينية.


فبينما بنت الولايات المتحدة نفوذها على الأحلاف العسكرية والاستقطاب السياسي بنت الصين نفوذها على الاقتصاد والطاقة والتجارة والموانئ وسلاسل الإمداد.

وبينما قدّمت واشنطن نفسها كقوة لفرض الإرادة تحاول بكين تسويق نفسها كقوة لإدارة المصالح.


ولهذا لم يكن غريبا أن تتحول الصين إلى ملاذ تفاوضي تلجأ إليه الأطراف المتصارعة بحثا عن مخارج آمنة من أزمات باتت تهدد الاقتصاد العالمي كله.

زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى بكين قبل أي تفاهمات دولية كبرى لم تكن حدثا بروتوكوليا بل مؤشرا على أن الصين أصبحت جزءا من هندسة التوازنات الإقليمية في الشرق الأوسط.


وفي المقابل جاءت لقاءات فلاديمير بوتين المتكررة مع القيادة الصينية لتؤكد أن موسكو وبكين لم تعودا تتحركان كحليفين عابرين بل كشريكين في مشروع دولي يسعى لإنهاء عصر الهيمنة الغربية المنفردة.

التصريحات المشتركة بشأن الدرع الصاروخي الأميركي، ورفض تسييس الممرات البحرية، والدعوات إلى إعادة تشكيل النظام المالي العالمي، كلها تعكس محاولات حثيثة لتشكيل ما هو "أشبه بمحور" استراتيجي يعمل بهدوء.


الأكثر دلالة أن واشنطن نفسها حتى في ذروة خطابها المتشدد تجاه الصين لم تستطع الذهاب نحو القطيعة الكاملة.

فالاقتصاد الأميركي يدرك أن أي انفصال شامل عن بكين سيعني عمليا شللا عالميا في التكنولوجيا، والطاقة، والصناعة، والتجارة.


وهكذا أصبح التنافس الأميركي الصيني ليس صراعا بين عدوين بل صراع "اعتماد متبادل" ضمن خصومة لا تستطيع الوصول إلى الطلاق.


أما الصين فتواصل تقديم نفسها باعتبارها القوة العاقلة في النظام الدولي!

تستقبل الجميع،

تفاوض الجميع،

ولا تغلق الباب أمام أحد.


إنها دبلوماسية تقوم على البراغماتية الباردة لا على الأيديولوجيا.

تبحث عن الاستقرار لأنه يحمي التجارة، وتحارب الفوضى لأنها تهدد الاقتصاد، وتفضّل الاحتواء على الانفجار.


لكن وسط هذا المشهد العالمي الصاخب يبرز السؤال:

أين العرب من كل هذا التحول؟!

العالم يعيد تشكيل خرائط النفوذ،

وأوروبا تعيد تموضعها،

وموسكو وبكين تعيدان تعريف النظام الدولي،

وواشنطن تعيد حساباتها الاستراتيجية.

بينما لا يزال العرب يتحركون بـ "ردّ الفعل لا بالفعل" وبـ "الانقسام لا بالرؤية" وبـ "السياسة اليومية لا بالتخطيط".


لقد أصبح الجميع يحجّ إلى بكين

إلا العرب الذين ما زال كثير منهم مختلفين حتى على اتجاه القبلة السياسية للعالم القادم!

وربما تكون المأساة الحقيقية ليست في صعود الصين ولكن في أن المنطقة العربية "رغم موقعها وثرواتها وممراتها الاستراتيجية" لا تزال تتعامل مع التحولات الكبرى بعقلية المتفرج لا بعقلية الشريك في صناعة التاريخ.


وفي عالم يُعاد تشكيله الآن على وقع الصراع بين الشرق والغرب،

قد لا يكون السؤال الأهم:

من يقود العالم؟

بل:

من يملك مكانا فيه حين ينتهي تشكيله؟


ويبقى السؤال:

أكو عرب؟!