آخر تحديث :الأحد-24 مايو 2026-03:06ص

همسات تربوية

الأحد - 24 مايو 2026 - الساعة 01:27 ص
د. فوزي النخعي

في زمن تسارعت فيه الخطى، وأصبح الكثيرون يلهثون خلف متطلبات الحياة والكسب، بات همّ عدد كبير من الآباء أن يُجيد أبناؤهم اللغة الإنجليزية ويتقنوها، حتى غدت بعض الأسر تُسارع إلى إلحاق أطفالها بمدارس تهتم اهتمامًا خاصًا بتعليم الإنجليزية، بل وتُلزم أبناءها بدراستها منذ المراحل الأولى في الروضة.


لكن المؤسف أن كثيرًا منهم نسي، أو تناسى، أن اللغة العربية هي الأساس، وهي الوعاء الذي تتشكل فيه شخصية الطفل وهويته وثقافته، فاللغة ليست مجرد وسيلة تواصل، بل هي أداة تفكير وإبداع وبناء للمعرفة، ومن خلالها تتكون المدارك وتنمو القدرات العقلية، والطفل الذي لا يُتقن لغته الأم إتقانًا جيدًا، قد يجد صعوبة في بناء قدراته الفكرية والتعبيرية بصورة سليمة ومتوازنة.


كما أن الاختراع والإبداع لا يولدان إلا من رحم لغة الإنسان نفسها، فاللغة الأم هي التي تُحرّك الفكر، وتُنمّي الخيال، وتُطلق طاقات الابتكار، فالغرب عندما نهضوا علميًا وصنعوا الثورة التقنية والتكنولوجية الحديثة، لم يفعلوا ذلك بلغة مستوردة، وإنما بلغاتهم الأصلية التي آمنوا بها وطوّروها وجعلوها لغةً للعلم والبحث والاختراع.


وكذلك العرب والمسلمون حينما سبقوا العالم في الطب والفلك والهندسة والفلسفة وغيرها من العلوم، كان ذلك بفضل تمكّنهم من لغتهم العربية واتقانهم لها، لا من خلال لغة أخرى، ومن اللافت أن الطالب الغربي لا يدرس اللغة العربية بوصفها أولوية، بينما نجد الطالب العربي يسعى بشتى الوسائل لإتقان الإنجليزية، حتى أصبحت عند البعض معيارًا للتفوق والرقي، مع أن الأمم لا تنهض إلا بلغاتها وهوياتها وثقافاتها.


ولا خلاف على أهمية تعلم اللغة الإنجليزية بوصفها لغة عالمية مطلوبة في مجالات العلم والتقنية والتواصل، لكن الإشكال يكمن في تقديمها على اللغة الأم في المراحل الأولى من التعليم، فالطفل في سنواته المبكرة يحتاج أولًا إلى ترسيخ لغته العربية قراءةً وكتابةً وفهمًا وتعبيرًا، ثم بعد ذلك ينطلق لتعلم اللغات الأخرى بثقة وقدرة أكبر.


إن التوازن هو الحل، فلا إفراط ولا تفريط؛ نحافظ على لغتنا العربية ونمنحها مكانتها الطبيعية، وفي الوقت نفسه نُعلم أبناءنا اللغات الأخرى وفق أسس تربوية صحيحة ومدروسة.


ومن هنا، فإن على وزارة التربية والتعليم أن تُعيد النظر في بعض السياسات التعليمية، وألا تسمح بأن تتحول اللغة الإنجليزية إلى محور أساسي في الصفوف الأولى على حساب اللغة العربية، خصوصًا من الصف الأول وحتى الصف الخامس، لأن بناء الطفل لغويًا وفكريًا يجب أن يبدأ من لغته الأم أولًا، فهي الجذور التي يشتد بها الغصن ويثمر بها العقل، ومنها تنطلق الأمم نحو الإبداع والحضارة والتقدم.


ودمتم سالمين