في الوقت الذي كان ينتظر فيه الشارع اليمني لفتة أمل أو إنقاذ تخفف عنه وطأة المطحنة الاقتصادية المستمرة، أطلت علينا القرارات الحكومية الأخيرة لتؤكد فجوة العزل الانفصالي التي تعيشها السلطة خلف أبواب قصورها المغلقة عن واقع المواطن المأساوي.
بين عشية وضحاها، أُعلن عن حزمة قرارات جمركية ومعيشية وصفتها الحكومة بأنها "إصلاحات"، بينما يراها الشارع حكم إعدام غير معلن يستهدف القضاء على ما تبقى من الطبقة الموظفة والكادحة.
الـ 20%.. فتات غلاء المعيشة ووهم الإنقاذ
أقرت الحكومة زيادة بنسبة 20% كعلاوة غلاء معيشة، وهي خطوة تعكس إما عدم وعي كامل بحجم المعاناة، أو استخفافاً بليغاً بعقول المواطنين.
حسابات الوهم: إن نسبة 20% لا تعني سوى 20 ألف ريال يمني لمن يبلغ راتبه الأساسي 100 ألف ريال (وهم قلة قليلة في السلم الوظيفي الحالي). أما الغالبية العظمى من عمال وموظفي الدولة، فستنال نصف هذا المبلغ أو أقل.
فجوة لا يقرها منطق: ليت صناع القرار عقدوا مقارنة بسيطة بين هذه الـ 20% "الفتات" الممنوحة للموظف المطحون، وبين ذات النسبة حين تضاف لرواتب "أصحاب السعادة والفخامة" والمحظوظين برعاية الدولة الذين تتجاوز رواتبهم حاجز الـ 4000 والـ 8000 دولار. ليتهم اعتمدوا زيادة الـ 20% للموظف البسيط أسوة بأدنى راتب من رواتب أولئك القابعين في المقاعد الوثيرة.
الدولار الجمركي.. التسونامي القادم لتدمير الاقتصاد
إن الكذبة الكبرى تتجلى عند مقارنة زيادة الرواتب الهزلية بقرار رفع قيمة الدولار الجمركي من 750 ريالاً إلى 1550 ريالاً. هذا القرار هو "التسونامي" الحقيقي والزلزال المدمر الذي سيمحو أثر أي زيادة مزعومة.
النتيجة الحتمية: رفع الدولار الجمركي بهذه النسبة سيتسبب في قفزة جنونية لأسعار السلع الغذائية والأساسية وكل المواد المستوردة بنسبة 100% أو أكثر.
لم تقتصر الكارثة على جيوب المواطنين فحسب، بل تمتد لتضرب الاقتصاد في المحافظات المحررة في مقتل. فهذا الرفع غير المدروس سيدفع بالتجار والبيوت التجارية مجبرين إلى الهروب بنشاطهم التجاري صوب موانئ أخرى بديلة، وهجر موانئ عدن وحضرموت والمهرة، مما يحرم هذه المحافظات من حركتها التجارية والنهوض الاقتصادي المأمول.
لسان حال المواطن: "خذوا الـ 20% وأعيدوا أسعار 2010"
لسان حال المواطن والموظف اليمني اليوم يقول بوضوح: "نحن على استعداد تام للتنازل عن هذه الزيادة (20%)، بل وللتنازل عن جزء من رواتبنا الحالية، شريطة إعادة أسعار السلع والخدمات إلى ما كانت عليه في عام 2010/2011م".
إن الهدف من هذه السياسات كما يبدو على أرض الواقع ليس رفع معيشة المواطن، بل دفع من تبقوا في دائرة "الفقر" إلى مرحلة "الفاقة والجوع"، وتحويل الأغلبية الساحقة من الشعب إلى متسولين يلتحقون بفقراء الوطن المعدمين.
حنكة التخلص من الشعب!
لا نجد أي تفسير لحصافة قرارات الحكومة وقيادة الدولة سوى أنها تشرعن لإعدام جماعي ببطء. لم يشهد التاريخ حنكة دولة في التخلص من شعبها وإفقاره كالتي نراها اليوم؛ حيث يُدار المشهد من خلف كواليس لا تصلها حرارة الصيف ولا أنين بطون الأطفال الجائعة، ولا يعلم صناعها كيف يقضي رب أسرة لياليه هائماً على وجهه، عاجزاً عن توفير لقمة تسد رمق أطفاله.
إن هذه القرارات لا ترفع الأعباء بل تزيد المقصلة ثقلاً. والنتيجة المتوقعة هي دفع الموظف اليمني إما نحو الحالات النفسية والانتحار، أو افتراش الكرتون أمام الأسواق لممارسة التسول من أجل البقاء.
إلى أين تريدون إيصال هذا الشعب؟ وهل تدرك القيادة أن الجوع كافر، وأن للتسونامي الشعبي أمواجاً لا تبقي ولا تذر؟