"تحليل الأثر الإقتصادي لحزمة القرارات الأخيرة في عدن"
بقلم: الكاتبة الصحفية أنسام عبدالله
من مسافةٍ تمنح العين قدرةً على رؤية المشهد الكلي دون تعمية غبار التفاصيل، ومن زاوية مراقبة محايدة.. يبدو المشهد اليمني الأخير في العاصمة المؤقتة "عدن" أشبه بـ "مناورة اللحظات الأخيرة". فالقرارات الصادرة عن مجلس الوزراء ليست مجرد نصوص إدارية، بل هي معادلة مالية معقدة تضع مسؤولية الحكومة على المحك، في محاولة للموازنة بين حافة الإفلاس الكلي وانفجار الشارع الجائع.
إذا فككنا هذه الحزمة بعقل اقتصادي بارد وقلبٍ يمني ينبض بغليان الشارع، سنجد أننا أمام حزمة إنقاذية مزدوجة الوجه .. وجهٌ يحملُ مسكنات تخفيفية انتظرها الموظف، ووجهٌ آخر يخفي مخاوف التضخم وطاحونة الواقع.
إن الحقيقة التي تعلو فوق كل الأرقام هي أن الفيصل في نجاح هذه الحزمة برمتها ليس في حبر القرارات ولا في حجم السيولة، بل في "العين الحمراء" للدولة.. مدى قدرتها على تفعيل دورها الرقابي الصارم، والضرب بيد من حديد على كبار المضاربين وصنّاع الأزمات..بل وتجار الحروب.
أولاً: جبهة الأجور والعلاوات.. ضخ السيولة في سوق فلتت زمام رقابته
صرف بدل غلاء معيشة بنسبة 20%، إطلاق العلاوات السنوية المتوقفة (2021 – 2024)، وتنفيذ الأثر المالي للترقيات الأكاديمية..
إنّ منظور الاقتصاد الكلي يخبرنا أن أي ضخ لسيولة نقدية جديدة في سوق يعاني شحاً في الإنتاج والغطاء النقدي الأجنبي، سيؤدي فوراً إلى زيادة المعروض النقدي بالعملة المحلية، مما يعني حتماً تراجع قيمتها الشرائية. غير أن الكارثة الحقيقية لا تأتي من التمويل التضخمي بذاته، بل من الانفلات المطلق للأسواق وغياب الذراع الرقابي الحازم للحكومة.
خلف هذه الأرقام يقف المعلم، والأستاذ الجامعي، والموظف البسيط؛ والخوف كل الخوف هنا، هو أن يستيقظ الموظف ليجد أن الـ 20% الإضافية قد التهمها السوق سلفاً بارتفاع قفز إلى 40% في أسعار المواد الأساسية نتيجة حالة الانفلات الراهنة!
هنا يبرز الدور الرقابي كخط دفاع أول وأخيرا ..فالأمر لا يتطلب تمنيات حكومية، بل نزولاً ميدانياً كاسحاً ولجان رقابة وتفتيش تضرب بيد من حديد لفرض قوائم سعرية إجبارية.
إن حماية جيب المواطن من جشع التجار هي مسؤولية رقابية حصرية، وبدونها تصبح الزيادة مجرد حبر على ورق، وتتحول إلى وقود يشعل الأسعار..
ثانياً: الدولار الجمركي.. معركة كسر عظم بين جشع التجار وغياب الرقابة الحكومية
هذا القرار هو محاولة "تقليدية" لإنعاش خزينة الدولة الخاوية عبر رفع الإيرادات الجمركية..فمن الناحية النظرية، استهداف السلع الكمالية يحمي الطبقات الهشة، لكن في بيئة اقتصادية يعصف بها الجشع، فإن الخطر يكمن في قيام التجار بترحيل كلفة الجمارك المرتفعة على الكماليات لتغطية خسائرهم أو زيادة أرباحهم في السلع الأساسية عبر "المقاصّة السعرية".
إنّ المواطن اليمني لم يعد يملك رفاهية التفريق بين الكمالي والأساسي؛ فكثير من السلع المصنفة ككماليات هي عصب الحياة اليومية.
إن ترك الأسواق دون ضوابط صارمة تحدد هوامش الربح وتفرز السلع بدقة، يضع مسؤولية الحكومة في مهب الريح.
إن الفيصل هنا هو الردع الرقابي..فإما أن تفعل الحكومة أجهزتها الضبطية لملاحقة المتلاعبين وإغلاق محلات المحتكرين بسلطة القانون، أو أن هذا التحرير الجمركي سيتحول إلى مقصلة جديدة تذبح المواطن لصالح هوامير الأزمات في ظل تراخي قبضة الدولة.
ثالثاً: إنهاء الازدواج الوظيفي ولجنة المناقصات.. الرقابة الهيكلية كمدخل للاستقرار
هذا هو الجزء الأكثر حصافة وعمقاً في حزمة القرارات. تنظيف كشف الراتب من الوظائف الوهمية وتفعيل لجنة المناقصات يمثلان الخطوة الأولى لوقف ثقب الفساد الأسود الذي يبتلع موارد الدولة الشحيحة.
العدالة الاجتماعية تبدأ من هنا، لكن هذا الضبط الإداري يفقد قيمته تماماً إذا لم ينعكس على حياة المواطن.
إن الرقابة الداخلية على مؤسسات الدولة يجب أن تتوحد في خندق واحد مع الرقابة الميدانية على الأسواق؛ فالمصداقية الحكومية اليوم محكومة بمدى جديتها في تحويل الأموال الموفرة من تجفيف منابع الفساد إلى أداة لتعزيز العملة ودعم استقرار الصرف، وهو ما يتطلب حزماً رقابياً حديدياً لا يعرف الاستثناءات السياسية أو المحسوبية.
ختاما ..
الرقابة والضرب بيد من حديد هما طوق النجاة الوحيد
إن هذه القرارات بمثابة "حبل بهلوان" تحاول الحكومة السير عليه لتفادي الانفجار؛ والنجاح الحقيقي لهذه الحزمة لا يكمن في استعراض الأرقام والتخدير الإعلامي، بل في الإجابة على سؤال واحد: هل تملك الحكومة أنياباً رقابية لضبط السوق والأسعار؟
إن المحكات الثلاثة لتقييم هذه التجربة (كبح تدهور العملة، حماية السلع الحياتية، وتطهير كشف الراتب) لن تتحقق بنوايا طيبة، بل بـ سلطة القانون والضرب بيد من حديد.
الفيصل اليوم ليس في كم ضخت الحكومة من نصوص، بل في كم ضبطت من أسواق؛ وبدون هذه الرقابة الصارمة الصادمة، فإن ما أُعطي باليمين "كبدل غلاء معيشة"، سيأخذه السوق بالشمال تضخماً وغلاءً فاحشاً، لتظل مسؤولية الحكومة معلقة، ويظل المواطن، كما كان دوماً، هو الحلقة الأضعف.