آخر تحديث :الأربعاء-20 مايو 2026-04:36م

بين جباية الإيراد وسحق العباد تحرير الدولار الجمركي هروب إلى الأمام

الأربعاء - 20 مايو 2026 - الساعة 11:17 ص
عيدروس المدوري

في غمرة الأزمات المتلاحقة التي تطحن جسد الوطن وتفتك بقوت المواطن اليومي تطل علينا القرارات

الاقتصادية المرتجلة تحت مسميات براقة كـ الإصلاح المالي و تعزيز الإيرادات العامة ولعل قمة هذه القرارات

خطورة وأكثرها مساساً بلقمة العيش الصعبة هو قرار تحرير الدولار الجمركي (أو تعويمه) القرار الذي يُسوّق

كخطوة إنقاذية بينما هو في عمقه الاقتصادي والاجتماعي ليس سوى سيف مصلط على رقاب البسطاء .

ما هو الدولار الجمركي وماذا يعني تحريره ؟

بعيداً عن المصطلحات المعقدة لخبراء المال الدولار الجمركي هو السعر الذي يحدده البنك المركزي أو وزارة

المالية لتقييم البضائع المستوردة في الموانئ والمنافذ بغرض احتساب الرسوم الجمركية عليها لسنوات طويلة

كانت الدولة تلجأ إلى تثبيت هذا السعر عند حدٍّ منخفض (وهمي مقارنة بسعر السوق الحرة) كأداة حمائية غير

مباشرة تضمن عدم انفجار أسعار السلع في وجه المستهلك .

أما التحرير فهو ببساطة رفع هذا الغطاء الحمائي بالكامل وجعل حساب الرسوم الجمركية مرتبطاً بصعود

وهبوط سعر الصرف الفعلي في السوق السوداء أو الحرة إنها عملية قفز بالرسوم من ضفة السعر المدعوم إلى

ضفة السعر الواقعي وهي قفزة لا يتحمل تبعاتها سوى المواطن .

الوهم والمآلمن يدفع الفاتورة ؟

تراهن الحكومات في مثل هذه القرارات على إنعاش خزائنها الخاوية بمئات المليارات من العملة المحلية بهدف

تغطية النفقات ومجابهة العجز لكن هذا الرهان يسقط في فخ المعادلة الصفرية فالتاجر أو المستورد ليس جمعية

خيرية ولن يقتطع فارق الجمارك الخيالي من هامش ربحه بل سيقوم بنقله فوراً وبشكل مضاعف إلى سعر

التجزئة النهائي .

وهنا تبدأ المتوالية الهندسية للكارثة :

1. تضخم طاحن ومتسلسل لن يقتصر الغلاء على السلع الكمالية كما يزعم المنظرون بل سيمتد كالنار في

الهشيم ليشمل السلع الأساسية المواد الخام والمستلزمات الطبية وحتى المشتقات النفطية التي تحرك عجلة الحياة

اليومية .

2. سحق القدرة الشرائية يأتي هذا القرار في وقت يعيش فيه المواطن بلا شبكة أمان اجتماعي وفي ظل رواتب

متآكلة أو منقطعة مما يعني دفع ملايين ومستويات جديدة من الشعب إلى ما دون خط الفقر المدقع .

3. انتعاش الأسواق الموازية والتهريب عندما تصبح الرسوم الجمركية عبئاً غير مقدور عليه فإن النتيجة

الحتمية ليست انضباط السوق بل تشجيع التهريب عبر المنافذ غير الرسمية أو عزوف الرأسمال الوطني عن

الاستيراد عبر الموانئ الشرعية مما يعني في النهاية خسارة الدولة للإيرادات التي حررت الدولار من أجلها

الإصلاح الحقيقي لا يبدأ من جيوب الفقراء

إن اتخاذ قرار بتحرير الدولار الجمركي في بيئة اقتصادية هشّة تعاني من انقسام مالي وفوضى عارمة في

أسواق الصرف هو بمثابة هروب إلى الأمام وتغطية للفشل الإداري بجباية أموال تُنتزع قسراً من قوارير حليب

الأطفال وقوت الأسر المعدمة .

إن أي إصلاح مالي حقيقي لا يمكن أن يبدأ برفع الكلفة على المستهلك بل يجب أن يبدأ أولاً بتفعيل أجهزة

الرقابة والمحاسبة الداخلية وإيقاف الهدر والعبث في قنوات الإنفاق الحكومي وتجفيف منابع الفساد التي تبتلع

الإيرادات قبل وصولها إلى البنك المركزي .

أما تجميد وتعطيل دوائر الرقابة والتفتيش وترك الحبل على غارب الفاسدين والمطبلين الذين يبررون هذه

الكوارث ثم الالتفات نحو الموانئ لرفع الرسوم على السلع فهو استسهال خطير لن يقود إلا إلى مزيد من

الاحتقان الاجتماعي والانهيار المؤسسي .

إن الاقتصاد لا يُدار بعقلية الجباية المحضة والدولة التي تبحث عن هيبتها واستقرارها المالي يجب أن تحمي

مواطنها أولاً تحرير الدولار الجمركي دون كوابح رقابية صارمة ودون حزم اقتصادية موازية تحمي الفئات

الضعيفة هو رصاصة رحمة تُطلق على ما تبقى من رمق في معيشة هذا الشعب الصابر .