آخر تحديث :الثلاثاء-19 مايو 2026-03:42م

المعلم بين مطرقة الاعتداء وسندان المسؤولية الأخلاقية

الثلاثاء - 19 مايو 2026 - الساعة 12:08 م
جاكلين أحمد

في اليومين الماضيين، تصدرت حادثة اعتداء أحد أولياء الأمور على معلمات في إحدى مدارس البنات واجهة النقاش الاجتماعي.

لم تكن الحادثة مجرد شجار عابر، بل جرس إنذار جديد يؤكد أن المعلم أصبح هدفًا سهلًا في مجتمع يفترض أنه يضع التعليم في مقدمة أولوياته.

تكرار هذه الحوادث يكشف خللًا عميقًا في العلاقة بين الأسرة والمدرسة، وفي نظرة المجتمع إلى مهنة التعليم نفسها.

فتحول المعلم من رمز الاحترام إلى هدف للتهجم إذ لم يعد الاعتداء على المعلمين حدثًا نادرًا.

فاليوم، يتعرض المعلمون؛ رجالًا ونساء؛ لأذى جسدي ومعنوي من طلاب أو أولياء أمور، وكأن المعلم لم يعد صاحب رسالة، بل موظف يمكن محاسبته بالعنف بدل الحوار.

فغياب أنظمة حماية واضحة، وضعف الإجراءات الرادعة، وانتشار ثقافة التهجم بدل الحوار، كلها عوامل جعلت المعلم يقف في الصف الأول بلا درع، وبلا جهة تحميه أو تستعيد له حقه حين يُعتدى عليه.

وحين يتحول الغضب إلى عنف، المجتمع الذي يطالب بتعليم قوي لا يمكنه في الوقت نفسه أن يسمح بتحويل المدارس إلى ساحات مواجهة.

لأنه حين يقتحم ولي أمر مدرسة ليضرب معلمة، فهو لا يعتدي على فرد، بل على هيبة التعليم نفسها. والمؤسف أن بعض هذه الحوادث تمر بلا عقاب حقيقي، مما يشجع على تكرارها.

والمعلم ليس معصومًا، لكنه ليس خصمًا، ورغم كل ما سبق، لا يمكن إعفاء المعلم من مسؤوليته الأخلاقية.

فهناك من امتهن التعليم لكسب الرزق فقط، دون امتلاك أدواته أو احترام رسالته.

هؤلاء يسيئون للمهنة، ويضعون المعلم الحقيقي تحت ضغط مضاعف. فيضعفون ثقة المجتمع بالمدرسة، ويفتحون الباب للتهجم، ويخلطون بين المعلم الرسالي والمعلم الوظيفي

لكن حتى مع وجود هذه الفئة، يبقى الاعتداء جريمة لا يبررها سوء أداء، ولا يشرعنها غضب ولي أمر.


والخلل ليس في طرف واحد، بل في منظومة كاملة، أسرة تتعامل مع المدرسة كخصم، ومدرسة لا تملك أدوات حماية، ومجتمع يبرر العنف حين يناسبه، ومعلمون غير مؤهلين يسيئون لصورة المهنة، وأخيرًا غياب قوانين واضحة تحمي الطرفين.

حينها تصبح المعادلة مختلة، والضحية الأولى هي هيبة التعليم.

لذا نحن في حاجة ماسة إلى، قانون حماية للمعلم يجرم الاعتداء ويضمن حقه ، وتأهيل مهني حقيقي يرفع مستوى من يدخل المهنة، قنوات تواصل محترمة بين الأسرة والمدرسة، ثقافة مجتمعية جديدة تعيد للمعلم مكانته، مساءلة عادلة للمعلم المقصر دون تشهير أو عنف.

قضية الاعتداء على المعلمين ليست حادثة فردية، بل مؤشر خطير على تراجع احترام التعليم. فالمعلم ليس ملاكًا، لكنه أيضًا ليس خصمًا. والمجتمع الذي يسمح بإهانة معلمه، يوقع بيده على تراجع وعيه ومستقبله.

وإعادة الهيبة للمعلم ليست رفاهية، بل ضرورة لبناء جيل يعرف أن العلم لا يُنتزع بالعنف، بل يُؤخذ بالاحترام.