بينما تعيش القيادات العليا في أبراجها العاجية، يواصل المواطن اليمني رحلة الهبوط الحر نحو قاع الفقر والنسيان. خمس حكومات تعاقبت على المشهد منذ أواخر عام 2014، ولم يجمع بينها سوى قاسم مشترك واحد: "الأنانية المفرطة". حكومات سعت بكل جهدها لتحسين مستواها المعيشي، وتأمين مستقبل الأقربين والمحسوبين عليها، تاركةً المواطن وحيداً في مواجهة تبعات انهيار اقتصادي تاريخي مرير.
لغة الأرقام.. رواتب سقطت ولم تنهض رغم "التعافي الجزئي"
إذا أردنا فهم حجم الكارثة وعمق الفجوة، فلننظر إلى مسار أسعار الصرف الصادمة مقارنة بالرواتب:
في نهاية عام 2014م، كان سعر صرف الدولار الأمريكي مستقراً عند 215 ريالاً يمنياً، والريال السعودي عند 57 ريالاً.
مرّت على البلاد موجة انهيار مرعبة قفز فيها الدولار إلى ذروته التاريخية مستهدفاً حاجز 2880 ريالاً يمنياً (بنسبة ارتفاع جنونية تجاوزت 1300%).
ورغم حدوث هبوط نسبي وتراجع في أسعار الصرف قبل أكثر من عام ليستقر الدولار حالياً في حدود 1550 ريالاً يمنياً (أي بارتفاع يعادل 700% عن عام 2014)، إلا أن هذا "التعافي الجزئي" ظل حبيس شاشات الصرافة، ولم ينعكس إيجاباً على القيمة الشرائية لرواتب الموظفين.
وبحسبة بسيطة تكشف عمق المأساة: الموظف الذي كان يتقاضى راتباً يعادل 1100 ريال سعودي في 2014، تحول راتبه في أوج الانهيار إلى فتات لا يتجاوز 140 ريالاً سعودياً (بمعدل 11% فقط). واليوم، ورغم تراجع الصرف النسبي، ما زال الراتب عاجزاً تماماً عن تلبية متطلبات الحياة الأساسية، بعد أن ثبتت الأسعار في العالي وسقطت القيمة الفعلية للراتب في الحضيض.
امتيازات عابرة للقارات.. والمواطن "ليشرب من البحر"
أكثر من 11 عاماً مضت، تعاقب فيها المجلس الرئاسي، ومجلس النواب، والمستشارون، وجيش من الوزراء والوكلاء. سنوات طويلة كانت كافية لمعالجة فارق الانهيار في الرواتب وإعادة صياغة هيكل الأجور بما يتناسب مع الارتفاع الحالي الذي يقدر بـ 700%؛ لو توفرت "الإرادة".
لكن يبدو أن المعاناة لا تصعد إلى الأعلى؛ فالقيادات تحظى بامتيازات وبأجور "فرط صوتية وعابرة للقارات"، تُدفع بالعملات الأجنبية وتؤمّن لهم ولأبنائهم الملحقين بالسلك الدبلوماسي أرغد العيش. أما المواطن، فليمت بالجوع، أو الفقر، أو المرض.. والمهم هو رفاهية النخبة، ولسان حالهم يقول: "فليشرب المواطن من البحر".
نكتة الموسم: رفع تعرفة الكهرباء المعدومة!
في وسط هذا الركام المعيشي، تفتقت عقلية "المبتكرين" في الحكومة عن قرار جديد للفتك بما تبقى من رمق الحياة: رفع تعرفة استهلاك الكهرباء!
عن أي كهرباء تتحدث الحكومة؟ وكأن التيار يتدفق 24 ساعة دون انقطاع! الواقع يجلدنا بحقيقة أن الكهرباء تأتي لساعة واحدة في اليوم، أو على فترات متقطعة، بل إن هناك شهوراً تمر على المواطن دون أن يرى فيها النور. إنها "أسطوانة مشروخة"، وصاحب الفكرة كان الأجدر به أن يطرح أولاً فكرة مساواة رواتب الموظفين الغلابة برواتب قيادات الحكومة، بدلاً من جباية ثمن خدمة معدومة.
الشرط المسبق: ارفعوا الرواتب أولاً
إن أي قرار بزيادة الأعباء على كاهل المواطن في ظل الثبات على الرواتب القديمة هو قرار "انتحار اجتماعي". المطالب اليوم واضحة ولا تقبل المواربة:
أولاً: رفع رواتب موظفي الدولة إلى مصاف رواتب القيادات وأعضاء الحكومة، بما يضمن لهم حياة كريمة تواكب الغلاء الفاحش المستمر (رغم تراجع الصرف).
ثانياً: إيقاف الارتفاع غير المبرر لأسعار المواد التموينية والوقود، وضبط أسواق الاحتياجات اليومية من أسماك، ولحوم، وخضار، وفواكه، والتي باتت حبراً على ورق في موائد البسطاء.
متى يصحو الضمير؟
إلى متى يستمر هذا التجاهل المتعمد لمعاناة شعب بأكمله؟ إذا كان حجم إنجازكم في خدمة المواطن واستقراره المعيشي لا يعادل 1% مما تستلمونه من رواتب وامتيازات، فبأي حق تُصدرون قرارات رفع تعرفة الكهرباء او اسعار الوقود والغاز
لقد شبع المواطن وعوداً، ولم يرَ طيلة سنوات سوى رفاهية تتضخم على حساب جوعه. أوقفوا قرارات الفتك، التفتوا إلى بطون جاعت، وأجساد أنهكها المرض والظلام، وقبل أن ترفعوا فاتورة الكهرباء... أعيدوا للمواطن كرامته وراتبه.