آخر تحديث :الثلاثاء-19 مايو 2026-02:21ص

شبوة تعود إلى لغة الحكم الشمولي

الإثنين - 18 مايو 2026 - الساعة 11:24 م
حسين علي باهميل

حسين علي باهميل


ما يحدث اليوم في شبوة يثير القلق، ليس لأن هناك خلافاً سياسياً فقط، بل لأن اللغة التي بدأت تظهر في الخطاب السياسي والإعلامي تعيد إلى الأذهان زمن الحكم الشمولي، ذلك الزمن الذي ظن الناس أنه انتهى ولن يعود.


شبوة لم تكن يوماً محافظة اللون الواحد، ولا الصوت الواحد، ولا الفكر الواحد.

شبوة بطبيعتها محافظة تعددية؛ قبائل متعددة، مناطق متعددة، تيارات سياسية واجتماعية متنوعة، وتاريخ طويل من التعايش بين المختلفين.

ولهذا فإن أي محاولة لفرض رأي واحد أو خطاب واحد أو تخوين كل من يختلف، هي محاولة لصناعة نسخة جديدة من الماضي الذي دفع الجميع ثمنه.


اليوم، عندما نسمع لغة مبطنة فيها تهديد، ولغة تتحدث وكأن المحافظة ملك لفريق واحد، أو أن من يعارض يجب أن يصمت أو يُقصى، فإننا نتذكر مباشرة أجواء السبعينات، عندما كان الحكم الشمولي يرى في الاختلاف جريمة، وفي الرأي الآخر خيانة، وفي التعددية خطراً يجب القضاء عليه.


المفارقة المؤلمة أن بعض من يتحدثون اليوم بهذه اللغة، كانوا أنفسهم ضحايا لذلك النظام.

ومنهم الأخ المحافظ ، الذي يعرف جيداً معنى الإقصاء، ويعرف ماذا فعلت المنظومة الشمولية بأبنائها قبل خصومها، ويعرف كيف كان الطرد والتهميش والتخوين مصير كل من اختلف مع “الخط الرسمي”.


فكيف يتحول من كان ضحية تلك المرحلة إلى من يتحدث بلغتها؟

وكيف ينسى الإنسان أن الشمولية لا تحمي أحداً، وأنها تبدأ بإقصاء الخصوم ثم تأكل أبناءها واحداً تلو الآخر؟


شبوة ليست مزرعة سياسية لأحد، وليست محافظة يمكن اختزالها في شخص أو جماعة أو تيار.

ومن يحاول إعادة إنتاج عقلية “القائد الأوحد” و”الصوت الواحد” و”الحقيقة المطلقة”، فإنه يعيد الجنوب كله إلى المربع الذي دفع ثمنه لعقود.


الأخطر اليوم ليس الخلاف السياسي، فالخلاف طبيعي وصحي، بل الأخطر هو محاولة تخويف الناس من الاختلاف، وتحويل أي رأي مخالف إلى تهمة، وكأننا عدنا إلى زمن اللجان الثورية والمحاكم الثورية وشعارات التخوين الجاهزة.


التاريخ علمنا أن المجتمعات لا تُدار بالقوة المعنوية ولا بالترهيب السياسي، بل بالتوافق والشراكة واحترام التنوع.

وشبوة تحديداً لا يمكن أن يحكمها عقل شمولي، لأن تركيبتها الاجتماعية والسياسية أكبر من أن تُختزل في مشروع فرد أو جماعة.


من المؤسف أن البعض لم يتعلم من دروس الماضي، وكأن سنوات الدم والصراعات والانقسامات لم تكن كافية.

فالذي أوصل الجنوب إلى الكوارث سابقاً لم يكن التنوع، بل محاولة سحق التنوع.


اليوم، أبناء شبوة لا يريدون العودة إلى زمن الوصاية الفكرية، ولا إلى زمن الخوف من الكلام، ولا إلى مرحلة التصنيف بين “وطني” و”خائن” حسب مزاج السلطة أو الجماعة المسيطرة.


شبوة تحتاج دولة، لا شمولية.

تحتاج شراكة، لا إقصاء.

تحتاج احترام الناس، لا تخويفهم.

وتحتاج خطاباً يلمّ الشمل، لا خطاباً يعيد فتح جراح الماضي.


فمن عاش مرارة الشمولية، كان يفترض أن يكون أول من يحارب عودتها، لا أول من يعيد إحياء لغته.