آخر تحديث :الإثنين-18 مايو 2026-11:43م

الهروب إلى الأمام (الحلقة الأخيرة): سيمفونية التخلص من الحلفاء والرقص على رؤوس الثعابين

الإثنين - 18 مايو 2026 - الساعة 09:19 م
عوض عميران

لا يمكن قراءة المشهد اليمني المعاصر، وتفكيك العواصف التي تضرب بنيته السياسية والعسكرية اليوم، بمعزل عن تتبع مسارات السلطة العميقة التي تشكلت عقب صعود الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح إلى سدة الحكم في 17 يوليو 1978م. فمنذ اللحظات الأولى، لم يكن نظام صنعاء حكماً فردياً خالصاً بالمعنى المطلق؛ بل ارتكز على ركائز صلبة تحالفت فيها الكاريزما العسكرية مع الثقل القبلي والديني، مشكّلة ما يشبه "مجلس إدارة" غير معلن لإدارة الأزمات، واحتواء الخصوم، وتطويع المكونات القبلية لصالح تثبيت نفوذ الدولة وبسط سيطرتها.

في ذلك التاريخ، برزت قيادات عسكرية وازنة جمعت بين الخبرة الميدانية والمهارات السياسية النوعية، وكان في طليعة هؤلاء القادة اللواء علي محسن الأحمر والعميد محمد إسماعيل القاضي (رحمه الله). لم يكن هؤلاء الضباط مجرد أدوات تنفيذية للأوامر، بل شكلوا أذرعاً حيوية تمتلك أدوات التأثير المباشر في عمق التكوين القبلي الشمالي وفي مفاصل الجيش الحساسة كـ "الفرقة الأولى مدرع" و"اللواء الثامن صاعقة" (الذي كان يتمركز في معسكر السواد وثم الصباحة).

وتجلت القيمة الاستراتيجية لهذا التحالف العسكري العتيق في محطتين تاريخيتين؛ الأولى في نهاية السبعينيات ومطلع الثمانينيات عندما شعرت صنعاء بقلق وجودي تجاه تمدد "الجبهة الوطنية الديمقراطية" في المناطق الوسطى، والتي كادت في مراحل معينة أن تسقط العاصمة بدعم من نظام الحزب الاشتراكي في عدن. حينها، نشأ تحالف سياسي وعسكري مع القوى الإسلامية وقبائل الطوق، وتأسست "الجبهة الإسلامية" التي خاضت حرب عصابات شرسة نجحت في دحر مد الجبهة الوطنية وطردها جنوباً. أما المحطة الثانية، فكانت أزمة 1993 وحرب صيف 1994م، حيث بذل هؤلاء الحلفاء جهوداً سياسية وميدانية نوعية في التحشيد القبلي والشعبي وقيادة المعارك على الأرض، وهي الجهود التي رجحت كفة صنعاء وحسمت المعركة لصالحها.

لكن مع انتهاء الحرب، وفي الربع الأخير من عام 1994م، تفاجأ هؤلاء القادة بصدور قرار جمهوري حمل في ظاهره صيغة الترقية، لكنه أبطن في عمقه بداية ظهور ملامح الغرور الناتج عن "نشوة الانتصار الفائض". قضى القرار بتعيين العميد محمد إسماعيل القاضي قائداً للمنطقة العسكرية الشرقية وانتقاله إلى حضرموت والمحافظات الشرقية. كان هذا القرار عملية إبعاد جغرافي وتجريد ممنهج من أدوات التأثير في مركز القرار بالعاصمة، ونُقل معسكره ليصبح مقراً للقوات الخاصة التي أُسندت قيادتها لاحقاً في عام 1999م إلى نجل الرئيس، أحمد علي عبد الله صالح. لقد مثل ذلك القرار أول شرخ في جدار التحالف العسكري، وبداية لإعادة تشكيل حالة التموضع لصالح "عفشنة" المناصب وحصرها في نطاق العائلة المقربة؛ وهو المسار الذي تعزز بتولي أحمد علي قيادة قوات الحرس الجمهوري عام 2000م خلفاً لخاله اللواء علي صالح الأحمر، ليدمج بين قيادة القوتين الضاربتين في البلاد.

ولم يكن الحلفاء العسكريون وحدهم ضحايا هذه السيمفونية؛ فالقوى الإسلامية التي تكتلت في حزب "التجمع اليمني للإصلاح" عقب إعلان الوحدة اليمنية والتي مثلت الحليف السياسي في حرب المناطق الوسطى وحرب 1994 كشريك أصيل، كانت على موعد مع ذات المصير. فبعد انعقاد المؤتمر العام الأول للحزب في سبتمبر ونوفمبر 1994م لشرعنة أطره التنظيمية، بدأ "الساحر" في هندسة خطة التخلص من حلفاء السياسة بعد تفكيك حلفاء السلاح.

جاءت الانتخابات البرلمانية في 27 أبريل 1997م لتكون محطة "الهندسة والعزل"؛ ففي ظل مقاطعة الحزب الاشتراكي اليمني، تم تكييف العملية الانتخابية ليحصد حزب المؤتمر الشعبي العام الحاكم نصيب الأسد بـ 187 مقعداً، مما مكنه من الاستفراد بالحكومة بمفرده، بينما تراجع نصيب حزب الإصلاح ليحصل على 53 مقعداً فقط (متراجعاً بفارق 9 مقاعد عن انتخابات 1993م). أمام هذا الواقع الجديد، أدرك الإصلاح أن زمن الائتلافات قد انتهى وبدأ زمن الحكم الفردي، فعقد دورتي مؤتمره العام الثاني (بين عامي 1998 و2002م) ليعيد النظر في طبيعة علاقته بالنظام، مقرراً مغادرة الشراكة والتحول إلى خندق المعارضة والمراجعة الفكرية والتنظيمية.

بلغ هذا الانقسام والتوجس ذروته مع اقتراب انتخابات عام 2003م، والترتيبات الجارية لتمرير التعديلات الدستورية التي تخدم التوريث وتقصي القوى السياسية الحية. وهنا، وبجهود قيادية استثنائية قادها الراحل جار الله عمر بمعية قادة الإصلاح، نجحت المعارضة في تجاوز مرارات الماضي ودماء الصراعات الأيديولوجية، ليعلنوا في 6 فبراير 2003م عن تشكيل تكتل "أحزاب اللقاء المشترك" الذي ضم سبعة أحزاب رئيسية (منها الإصلاح، والاشتراكي، والناصري، وحزب الحق) لمواجهة احتكار الحزب الحاكم. وبتشكيل هذا التكتل، بدأت معالم تفكيك التحالف التاريخي بين صالح والقوى الإسلامية تتضح جلياً، وبدا النظام كمن يلف حبل الإقصاء حول رقبته بيده.

وعلى الجانب الآخر، وتحديداً في المحافظات الجنوبية، ووفقاً لواقع الإقصاء والتهميش الذي تلا حرب 1994م، بدأت معالم الغضب تتبلور رؤية سياسية تدعو إلى (تصحيح مسار الوحدة) بالتوازي مع الإعلان عن كيانات معارضة في الخارج ذات طابع أمني وعسكري مثل حركة تقرير المصير "موج" بقيادة القيادي في حزب الرابطة عبد الرحمن الجفري. وأخذت الأحداث حالة تصاعدية متسارعة توجت بلحظة مفصلية تجسدت في الانتخابات الرئاسية التنافسية والمباشرة في سبتمبر 2006م (بعد سبع سنوات من الانتخابات الرئاسية الأولى عام 1999م).

في انتخابات 2006م، قدمت أحزاب اللقاء المشترك نموذجاً سياسياً فريداً وغير مسبوق في المنطقة العربية؛ حيث التف الشعب خلف مرشح التوافق الوطني المهندس فيصل بن شملان في معركة اهتزت لها أركان نظام صالح المسكون بغرور القوة والسيطرة. صحيح أن مرشح المعارضة لم يفز بالكرسي، لكن القيمة الحقيقية للمعركة تلخصت في الكلمة التاريخية للقيادي الإصلاحي المخضرم الأستاذ محمد قحطان (فك الله أسره) حين قال بلسان الواثق: "لقد هززنا الشجرة".

بعد تلك الانتخابات، شعر علي عبد الله صالح بالخطر الحقيقي يقترب من ملامسة رجليه، وتيقن أن أدوات الشرعية الديمقراطية لم تعد مضمونة لحماية مشروعه التوريثي. وكعادته التاريخية في "الحكم بالرقص على رؤوس الثعابين"، انبرى في صناعة الأزمات الموقوتة ومحاولة تسميم الواقع السياسي جنوبا وشمالاً وشرقا؛ ففي الشمال رعى تغذية الحروب الست لتظهر الحركة الحوثية كمهدد مسلح، وفي الجنوب واجه خيارات الحراك الجنوبي السلمي (الذي انطلق عام 2007م) بالحلول الصفرية والقمع، وشرقاً أيقظ خلايا تنظيم القاعدة وحقن عروقها بالدماء لتصبح فزاعة محلية ودولية.

لقد ظن النظام أنه بصناعة هذه المتناقضات يحمي عرشه المستفرد، لكنه في الحقيقة كان يجرد نفسه من المصدات الحقيقية والحلفاء التاريخيين الذين حموا النظام طوال عقود، ليبقى وحيداً في مواجهة العاصفة..

وبهذا نكون قد وصلنا إلى ختام سلسلة "الهروب إلى الأمام"، على أمل أن يوفقنا الله تعالى في المحطة التالية لبناء سردية تاريخية محايدة وموضوعية لمرحلة ما بعد انتخابات 2006م الرئاسية.