تعيش محافظة حضرموت منذ سنوات على وقع أزمات متكررة في المشتقات النفطية، تتجسد في طوابير طويلة أمام محطات الوقود، وارتفاعات مستمرة في الأسعار، وانعكاسات مباشرة على حياة المواطنين والقطاعات الحيوية كالنقل والكهرباء والصحة والزراعة. والمفارقة المؤلمة أن هذه المعاناة تحدث في محافظة تُعد من أهم المناطق النفطية في اليمن، وتمتلك من الموارد والإمكانات ما يكفي لأن تكون نموذجًا للاستقرار الاقتصادي والطاقة المستدامة.
إن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: كيف لمحافظة تنتج النفط أن تعاني من ندرة الوقود؟ وأين يكمن الخلل الحقيقي؟
الحقيقة أن أزمة المشتقات النفطية في حضرموت ليست أزمة شح في الموارد، بقدر ما هي أزمة إدارة، وغياب للرؤية الاستراتيجية، وضعف في البنية التنظيمية والتخطيطية لقطاع الطاقة. فالمشكلة الأساسية تتمثل في الاعتماد شبه الكامل على الاستيراد والنقل من خارج المحافظة، مع غياب منشآت التكرير والتخزين القادرة على تأمين الاحتياج المحلي بصورة مستقرة ومنتظمة.
لقد أثبتت التجارب أن الحلول المؤقتة والترقيعية لم تعد قادرة على إنهاء الأزمة، مهما تعددت اللجان والتبريرات. فكل أزمة تنتهي تعود أخرى أشد منها، وهو ما يكشف بوضوح أن أصل المشكلة لا يزال قائمًا دون معالجة جذرية حقيقية. كما أن استمرار الاعتماد على المعالجات الآنية يفتح المجال أمام المضاربة والاحتكار وارتفاع تكاليف النقل والإمداد، لينعكس ذلك بشكل مباشر على المواطن الذي يدفع الثمن يوميًا.
ومن هنا، فإن أي رؤية جادة لإنهاء هذه الأزمة يجب أن تبدأ من بناء منظومة طاقة مستقرة ومتكاملة داخل حضرموت نفسها، تقوم على التخزين والتكرير والتوزيع وفق أسس اقتصادية وإدارية حديثة. ويتطلب ذلك تعزيز الرقابة على السوق، وتنظيم آليات التوزيع، ومنع الاحتكار، ورفع كفاءة البنية اللوجستية، إلى جانب إيجاد شراكة حقيقية بين السلطة المحلية والقطاع الخاص والمستثمرين الوطنيين.
غير أن كل هذه المعالجات، رغم أهميتها، ستظل محدودة الأثر ما لم يتم الانتقال إلى المشروع الاستراتيجي الأكبر والأكثر أهمية، والمتمثل في إنشاء “مصفاة حضرموت الاستراتيجية”. فهذا المشروع لا يمثل مجرد منشأة صناعية، بل يشكل حجر الأساس لأمن الطاقة والاستقرار الاقتصادي في المحافظة، وخطوة مفصلية نحو إنهاء دوامة الأزمات المتكررة.
إن وجود مصفاة استراتيجية في حضرموت يعني تقليل الاعتماد على الاستيراد الخارجي، وتوفير المشتقات النفطية بصورة مستقرة، وخفض تكاليف النقل والتوريد، وخلق آلاف فرص العمل، وتنشيط الحركة الاقتصادية والصناعية، فضلًا عن تعزيز قدرة المحافظة على مواجهة الأزمات والتقلبات الإقليمية والدولية.
كما أن المشروع سيمثل تحولًا اقتصاديًا كبيرًا ينقل حضرموت من مجرد منطقة منتجة للخام إلى مركز صناعي ولوجستي متكامل في قطاع الطاقة، وهو ما ينسجم مع موقعها الجغرافي وإمكاناتها الاقتصادية الكبيرة.
إن الرهان الحقيقي اليوم لا يكمن في إدارة الأزمات، بل في إنهائها من جذورها. وهذا لن يتحقق إلا بوجود إرادة سياسية وإدارية شجاعة تضع مصلحة حضرموت فوق كل الاعتبارات، وتتحرك بجدية لتحويل مشروع مصفاة حضرموت الاستراتيجية من مجرد فكرة وخطط على الورق إلى واقع ملموس على الأرض.
فحضرموت لا ينقصها النفط، ولا الإمكانات، ولا الموقع الاستراتيجي، بل تحتاج إلى قرار يصنع المستقبل، وينقل المحافظة من حالة الاختناق والأزمات المتكررة إلى مرحلة الاستقرار الاقتصادي والتنمية المستدامة.