لم تعد السياسة اليوم عند البعض مشروعَ بناء وطن، بل تحولت إلى ساحة تحريض وتخوين وتمزيق للمجتمع.
كل طرف يحاول أن يُسقط الآخر لا بالفكرة ولا بالبرنامج ولا بالكفاءة، بل عبر صناعة الأعداء الوهميين وتعليق التهم الجاهزة على الناس:
هذا “إخوانجي”، وهذا “حوثي”، وهذا “إرهابي”، وهذا “عميل”، وكأن الوطن لم يعد يتسع إلا لفريق واحد، وكأن الاختلاف في الرأي جريمة تستحق الإقصاء وربما القتل.
هذه اللغة المسمومة لم تتوقف عند حدود السياسة، بل نزلت إلى الشارع، إلى المدارس، إلى البيوت، إلى عقول الشباب البسطاء الذين جرى شحنهم بالكراهية والتحريض حتى أصبح بعضهم يرى خصمه عدواً لا مواطناً يختلف معه.
ولهذا لم يعد مستغرباً أن نرى اقتحام المدارس، وإهانة المعلمات، والاعتداء على الناس، وانتشار السباب والتنمر والتخوين، لأن الخطاب الذي يُبث يومياً هو خطاب عنف لا خطاب دولة.
حين يسمع المجتمع باستمرار عبارات مثل:
“سوف تسيل الدماء”،
“سنجتاح”،
“سنسحق”،
فإن البعض سيتحول من مجرد مستمع إلى أداة تنفيذ، لأن التحريض المستمر يصنع نفوساً متوحشة ترى العنف بطولة والكراهية موقفاً سياسياً.
والأكثر إيلاماً أن هناك من سقط في هذا الوحل القذر حتى ألغى عقله بالكامل، وتحول إلى أداة للكراهية والعنصرية والتنمر على الآخرين، يردد ما يُلقّن له دون تفكير، ويهاجم الناس فقط لأن أحد السياسيين أو المحرضين قرر أن يضع عليهم تهمة أو شماعة معينة.
وهؤلاء في الحقيقة ليسوا أبطالاً كما يُصوَّر لهم، بل ضحايا تم استغلال وعيهم وعواطفهم ودفعهم نحو الكراهية حتى وجد بعضهم نفسه في قفص الاتهام، وربما على مشنقة الإعدام، بينما المحرض الحقيقي يجلس بعيداً يشاهد المشهد ويستمتع بنتائج خطابه المحموم دون أن يدفع الثمن.
السياسي الحقيقي ليس من يجمع الناس خلف الشتائم، بل من يجمعهم خلف مشروع.
وليس من يحرّض الجماهير على بعضها، بل من يحترم عقول الناس ويقنعهم بالفكرة والبرنامج والرؤية.
السياسة ليست سباقاً في القذارة، بل تنافس شريف لتقديم الأفضل للوطن.
أما أن يقدم البعض نفسه عبر تشويه الآخرين، وبث الكراهية، وإثارة العصبيات، فهذا إعلان فشل لا نجاح.
فالذي لا يستطيع إقناع الناس إلا بالخوف والكراهية، لا يستحق أن يقود مجتمعاً ولا أن يكون جزءاً من العملية السياسية.
العملية السياسية الحقيقية تقوم على الحوار، واحترام الرأي والرأي الآخر، والقبول بالتنوع، والتنافس بأمانة وشرف.
أما تحويل المجتمع إلى معسكرات متقاتلة، فهذا لا يبني وطناً بل يهدمه.
والخاسر في النهاية ليس السياسي الذي يختبئ خلف خطاب التحريض، بل المواطن البسيط، والشباب الذين جرى استغلال عواطفهم، والوطن الذي تمزقت روحه الاجتماعية حتى أصبح الناس يتبادلون الكراهية أكثر مما يتبادلون السلام.
أيها السياسيون…
إذا كنتم فعلاً تحبون هذا الوطن، فأوقفوا تجارة التخوين والتحريض والكراهية.
احترموا عقول الناس، وتنافسوا بشرف، ودعوا المجتمع يختار الأفضل بالفكرة لا بالصراخ، بالمشروع لا بالشتيمة، بالعقل لا بالغريزة.
فالوطن لن يحميه خطاب الدم، بل تحميه دولة تحترم الإنسان، وسياسة تحترم الاختلاف، ومجتمع يتعلم أن التنوع قوة لا لعنة.
احمد حميدان