آخر تحديث :الخميس-28 مايو 2026-10:20م

ثورات أرغمت المستعمر على الرحيل: الجنوب العربي وقاموس التجارب الحية في التحرر

السبت - 16 مايو 2026 - الساعة 01:23 م
عدنان زين خواجه

في تاريخ الشعوب الحية، لم تكن الحرية يوماً هبةً تُمنح، بل كانت دوماً ثمرةً تُقتطف بالدماء والتضحيات. والتاريخ لا يرحم المشاريع القسرية التي تُفرض بقوة السلاح، بل يكتب الخلود فقط لإرادة الشعوب التي تأبى الانكسار. اليوم، يقف "الجنوب العربي" شامخاً وسط حراك سياسي وشعبي جبار، متسلحاً بإرثه الثوري ومستنداً إلى قاموس التجارب الإنسانية الحية التي تؤكد أن الاستعمار، مهما تدثر بعباءات وشعارات مختلفة، مآله الزوال.

التاريخ يُعلّم: نماذج من ثورات كسرت قيد المستعمر

لمن يعتقد أن الضغوط السياسية أو الحصار الاقتصادي يمكن أن يسقط المشاريع التحررية، فإن صفحات التاريخ مليئة بالدروس الصارمة:


الثورة الجزائرية (بلد المليون ونصف المليون شهيد): حاولت فرنسا بكل ثقلها العسكري والسياسي اعتبار الجزائر "مقاطعة فرنسية" وراء البحار، ومارست أبشع أنواع القمع لطمس الهوية الجزائرية. لكن إرادة الشعب وعزيمته فجّرت ثورة تلو الأخرى حتى أُرغم المستعمر على حزم حقائبه والرحيل عام 1962.


ثورة فيتنام: واجه الشعب الفيتنامي القوة العظمى في العالم (الولايات المتحدة الأمريكية) وقبلها الاستعمار الفرنسي. ورغم فارق التسليح الهائل والقصف الهمجي، انتصرت العزيمة الفيتنامية وتحررت البلاد وتوحدت بإرادة أهلها لا بالإكراه.


ثورة 14 أكتوبر في الجنوب العربي (ضد بريطانيا): الشعب الجنوبي نفسه يمتلك في قاموسه الخاص تجربة ملهمة؛ فمن جبال ردفان الشماء انطلقت الرصاصة الأولى ضد الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس، وأجبرت كبرياء لندن على الاعتراف بالهزيمة، ليرحل آخر جندي بريطاني في 30 نوفمبر 1967 وتُعلن دولة الجنوب المستقلة.


من الشراكة إلى احتلال "صيف 94": اغتيال مشروع الوحدة

دخلت جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية (دولة الجنوب ما قبل 22 مايو 1990) في مشروع وحدوي مع الجمهورية العربية اليمنية بقلوب صادقة ونوايا قومية عربية، متنازلة عن عاصمتها وعملتها ومقعدها في الأمم المتحدة من أجل هدف نبيل.

لكن هذا المشروع التعاقدي السلمي لم يدم طويلاً؛ حيث تم الانقلاب على كل الاتفاقيات والمواثيق، وتُوّجت المؤامرة بشن حرب صيف 1994 الظالمة واجتياح الجنوب عسكرياً. تلك الحرب والعدوان الغاشم لم يكونا مجرد معركة عسكرية، بل كانا إعلان وفاه ودفن لمشروع الوحدة إلى غير رجعة، وتحول الوضع من "شراكة سياسية" إلى "استعمار وفرض واقع بالقوة واجتثاث للهوية وتدمير لمؤسسات دولة الجنوب".


حدود 1990: مطلب عادل لا يمس حدود الآخرين

إن النضال الذي يخوضه الحراك السياسي والشعبي في الجنوب اليوم يتسم بالعقلانية والشرعية الدولية:

احترام الجوار: الجنوب لا يطلب المساس بأي دولة شقيقة أو الاعتداء على حدودها الجغرافية.

استعادة الحق: المطلب الجنوبي واضح ومحدد، وهو عودة الأرض المتعارف عليها دولياً بحدود ما قبل 22 مايو 1990، واستعادة الدولة السيادية الحرة.

هذا المطلب ليس "انفصالاً" كما يروج الإعلام المضاد، بل هو "فك ارتباط" واستعادة لوضع قانوني ودولي كان قائماً ومعترفاً به في المحافل الأممية.


ضغوط إقليمية ودولية وعزيمة جنوبية لا تلين

يمارس اليوم على المشروع التحرري الجنوبي أقسى أنواع الضغوط السياسية والاقتصادية والمعيشية، في محاولة بائسة لتركيع هذا الشعب الأبي وإجباره على القبول باستمرار واقع "الاستعمار المقنّع"، وسط حالة من التواطؤ الإقليمي والدولي الذي يغض الطرف عن المعاناة الإنسانية للجنوبيين ويحاول القفز على تطلعاتهم.

ولكن، غاب عن المحبطين وصنّاع القرار الدولي أن شعب الجنوب شعب حي، جبار، ذو بأس شديد. إن شعباً قدم طواعية مئات الآلاف من الشهداء والجرحى في مختلف المنعطفات – من انطلاق الحراك السلمي عام 2007 وحتى التصدي للمد الإيراني الحوثي في 2015 – لا يمكن أن يتنازل عن حريته مقابل لقمة عيش أو وعود سياسية واهية.

لسان حال الشارع الجنوبي اليوم يقول: "إن تجارب الثورة السابقة حية في أذهاننا، وكما رحل المستعمر البريطاني من عدن، سيرحل كل من يظن أنه قادر على إبقاء الجنوب تابعاً أو مكبلاً".


حتمية الانتصار

إن القراءة المنصفة للتاريخ تؤكد أن القوة الغاشمة قد تؤخر نيل الحقوق، لكنها لا تلغيها. والضغوط التي تُمارس على المجلس الانتقالي الجنوبي والقوى التحررية الحية لن تزيد الشعب إلا إصراراً وثباتاً. إن قضية الجنوب العربي ليست قضية مطلبية أو حقوقية مرتهنة بتحسين ظروف معيشية، بل هي قضية وطن وهوية وسيادة، والشعوب الجبارة التي تمتلك قاموساً حافلاً بالتضحيات، لا بد لليلها أن ينجلي، ولا بد لقيدها أن ينكسر.