بقلم عيدروس المدوري
تتصاعد هذه الأيام موجة من التغني بالوحدة اليمنية في الخطاب الرسمي لمسؤولي الشرعية خاصة من أبناء
المحافظات الشمالية هذا الضجيج ليس مجرد احتفاء بذكرى سياسية بل هو محاولة بائسة لترميم جدار سقطت
لبناته منذ اللحظات الأولى وتجاهل متعمد لحقيقة أن ما يصفونه بـ المنجز لم يكن بالنسبة للجنوبيين سوى فخ
تاريخي بدأ بالفشل وانتهى بالاحتلال .
الحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح هي أن الوحدة اليمنية لم تفشل بسبب صراعات لاحقة بل إن بذور فشلها
كانت كامنة في أحشائها منذ الشهر الأول لإعلانها لقد سارع الجنوب بصدق نواياه لتسليم دولة ذات سيادة
بمؤسساتها العريقة ونظامها الإداري المنضبط ليصطدم بنهج قبلي وعقلية غنائمية لم تؤمن يوماً بمفهوم الشراكة
الوطنية هذا التباين الجذري في الوعي المؤسسي والإداري جعل من الوحدة مشروعاً ميتًا إكلينيكياً قبل أن يكمل
عامه الأول .
لقد كان اجتياح صيف 1994 هو الإعلان الرسمي عن نهاية الوحدة الطوعية وولادة الاحتلال العسكري في
ذلك التاريخ سقطت الشعارات الرنانة تحت مجنزرات الدبابات وتحولت الشراكة السياسية إلى غنيمة حرب لم
تعد الوحدة رابطاً وطنياً بل أصبحت غطاءً شرعياً لنهب الثروات وتدمير الكوادر الجنوبية وتجريف الهوية
السياسية لدولة الجنوب . ما حدث في 94 لم يكن تثبيتاً للوحدة كما يزعمون بل كان اغتيالاً لها وتحويلها إلى
كابوس عسكري جثم على صدور المضحين من أجلها .
ثمة تساؤل يطرح نفسه بقوة لماذا ترتجف فرائص القادة الشماليين حين يشاهدون مسيرة جنوبية هادرة ولا
يستطيعون الا كيل التهم لشعب لا يريد الا حقه ؟ ولماذا يصابون بالذعر حين يُقال لهم إن الشارع الجنوبي هو
الحكم ؟
الإجابة تكمن في أن هذا الشارع هو مرآة الحقيقة التي تعري زيف ادعاءاتهم إنهم يدركون أن شرعيتهم التي
يستمدونها من صنم الوحدة تنهار أمام صرخة جنوبية واحدة تطالب بالحرية إن رؤية الجماهير في عدن والمكلا
وبقية المحافظات وهي ترفع أعلامها وتجدد العهد باستعادة دولتها تمثل تهديداً وجودياً لمصالحهم لأنها ببساطة
تسحب البساط من تحت أقدامهم وتثبت للعالم أجمع أن الوصاية التي يمارسونها باسم الوحدة لا تملك أي رصيد
شعبي إنهم يخشون كلمة الفصل الصادرة من الميادين لأنها الحكم الذي لا يقبل الاستئناف والقرار الذي لا
تشتريه الأموال ولا تكسره التهديدات .
إن ما نعيشه اليوم ليس سوى استمرار لذلك الاحتلال ولكنه بوجوه جديدة وأدوات أكثر تعقيداً فالمسؤولون الذين
يتغنون بالوحدة من فنادق الشتات يدركون تماماً أن وجودهم لم يعد يستند إلى إرادة شعبية بل إلى مظلة من
القوى الإقليمية فقط التي تدير المشهد هذا النوع الجديد من الاحتلال المقنع يسعى لتكريس الأمر الواقع مستخدماً
سياسة التجويع وتعطيل الخدمات كأوراق ضغط سياسي .
إن محاولة إحياء جثة الوحدة عبر الخطابات الإنشائية لم تعد تنطلي على أحد فالتاريخ لا يرحم والواقع على
الأرض يؤكد أن الوحدة التي بدأت بخديعة في شهرها الأول وتحولت إلى احتلال عسكري في 94 لم تعد اليوم
سوى أداة بيد قوى تبحث عن بقاء زائف على حساب دماء ومعاناة شعبنا إن احترام إرادة شعب الجنوب وحقه
في استعادة دولته هو المخرج الوحيد أما التغني بالأوهام فلن يغير من حقيقة أن صندوق الاقتراع الشعبي في
ميادين الجنوب قد نطق بالحكم النهائي لا عودة إلى الوراء ابداً