مشاكل اجتماعية وقبلية جمّة سادت مجتمعاتنا في اليمن عامةً، والجنوب خاصةً، في ظل غياب الدولة، وغياب دور أحلاف القبائل التي ذهبت إلى أكبر من حجمها، وتصدّرت المشهد السياسي الذي من المفترض أن يتزعمه كوادرها من ذوي الشهادات العليا والخبرات العملية في مختلف مجالات الحياة، وتركت تارةً أبناءها يعيثون في الأرض فسادًا، وتارةً أخرى يمارسون عيبات لا يقبلها دين ولا عرف.
أكبر حمل ثقيل من القضايا هو الثأر، حيث لم تستطع الدولة معالجته، ولا أحلاف القبائل مارست ضغوطها للحد منه، ولا سيما مع فقدان خيرة الشباب الذين لا ذنب لهم سوى أنهم من نفس القبيلة. أليست تلك القضية أولى بالحلف، وفي صميم اختصاصه، أفضل من تدخله في تخصصات الكبار والدكاترة؟
وهذا تكون له مظلمة لدى الحكومة أو جهة أخرى، فبدلًا من اللجوء إلى القضاء، ينشئ قطاعًا قبليًا لمنع مرور الشاحنات والقواطر، فيتأثر بها المواطن قبل الدولة، ولا سيما إذا كانت تخص مواد خدمية. أليس هذا في صميم اختصاص الحلف؟!
وهذا يتبلطج، عيني عينك، أمام شيوخ قبيلته، بالبسط على أراضي وممتلكات الناس، أو على مساحات صغيرة أمام أو خلف أو جانب بيوت الضعفاء، وما إن تشتكي للدولة تغمض عينها، وما إن تشتكي لشيخ قبيلته يدس رأسه في التراب ويحدثك أنهم متبرئون منه، فإذا قارعه أو قتله من هو أضعف منه قاموا معه وثأروا له، وإذا قارعه أو قتله من هو أقوى منه دسّوا وجوههم في التراب سبع مرات. أليس هذا في صميم اختصاص الحلف؟!
وهذا يعترض على مشاريع خدمية لمجتمعه، مشترطًا مبلغًا من المال، أو نصيبًا من المشروع، أو وظيفة فيه، وهو لا يملك مؤهلًا سوى قوته وبلطجته. أليس هذا في صميم اختصاص الحلف؟!
وهذا يمتلك سيارة فارهة، وجنبية تصل إلى ذقنه، وثوبًا ناصع البياض، وإذ به يتجمّل على حساب قوت الناس، من خلال ديون ضخمة في البقالات أو المحلات الأخرى لغرض بناء بيت له أو أشياء كمالية في بيته، أو ديون غداء لزواج ضخم، أو وفاة والديه، أو استقبال ضيوف كبار لأجل الفخفخة، وإذ بالجميع يطالبونه بديون لا قدرة له على سدادها، وإذا طالبته باستمرار قد يؤذيك، ولا أبالغ إذا قلت لك قد يعيقك وربما يقتلك، في موقف يجسد الظلم في أبشع صوره. أليس هذا في صميم اختصاص الحلف؟!
والمشاكل تطول، وما يتحمله ملف من عيبات يحكيه واقعنا المرير، في ظل ضعف وصمت وتقصير حكومي وقبلي. وسألت ذات مرة شيخًا له باع طويل في الصلح: ما الذي أبعدك عن التدخل في الإصلاح بين الناس؟ فردّ قائلًا، والحسرة تملؤه: ما أبعدني هو تأنيب الضمير، عندما وقفت مرات كثيرة ضد صاحب الحق خوفًا عليه من بطش الجلاد.
أخيرًا، نصيحتي لجميع أحلاف القبائل: اتركوا السياسة لأهلها من ذوي الاختصاص والشهادات، وتفرغوا لحلحلة عيبات أبنائكم، وفتشوا عنها إن لم تصلكم، بين ملاك المحلات بمختلف أنواعها والمؤسسات، وستجدون من يسيء إليكم من عيبات لا يرضى بها ديننا الإسلامي.
ودمتم في رعاية الله.