في جلسة مفعمة بالشكوى حيث يتسابق الجميع في مضمار جلد الذات ونقد الوضع الراهن وبينما كانت الكلمات
تتطاير يميناً وشمالاً عن ضيق الحال وتدهور الوضع رمى رجل مسنٍّ لخصت تجاعيد وجهه تاريخاً من
الخيبات جملةً واحدة ثم انصرف وترك خلفه صمتاً أثقل من كل الكلام الذي قيل .
قال باختصار موجع يا عيالي قد كان راكبها حصان قلتوا لا تشتوا يركبها حمار .
إن صرخة الشايب لم تكن دفاعاً عن الحصان بقدر ما كانت نقداً لآلية الاختيار لدينا نحن نعيش في مجتمعات
تمل من النظام حتى وإن كان قوياً كالحصان لمجرد أن له أخطاء فتقرر الثورة عليه أو رفضه دون أن تملك
البديل المكافئ .
الحصان في الموروث الشعبي يمثل الأنفة السرعة والقدرة على القيادة حتى وإن كان جموحاً أما الحمار فهو
يمثل البلادة والتبعية والقبول بالفتات المشكلة ليست في الحمار ككائن بل فيمن استبدل صهيلاً يهز الأرجاء بـ
نهيق لا يحرك ساكناً .
لماذا رفضنا الحصان؟ لأننا كنا نبحث عن حصان مجنح ولم نرضَ بنقائص الحصان الواقعي وبسبب هذا
الرفض غير المدروس سقطنا في فخ الأقل كفاءة الشايب هنا يصف حالة الفراغ الاستراتيجي عندما تهدم كياناً
قائماً لأنك تشتكي منه فقط دون أن يكون لديك مشروع لبناء كيان أفضل فإن القدر لا يمنحك الأفضل تلقائياً بل
يملأ الفراغ بأول حمار يمر من الطريق .
الجملة تبدأ بكلمة قلتوا لا هذه الكلمة تحمل الجيل الشاكي المسؤولية التاريخية الشكوى الحالية من ركوب الحمار
هي في الحقيقة نتيجة لقرار قديم برفض الحصان هي دعوة لمراجعة الذات هل كنا نعرف ما نريد حقاً عندما
صرخنا بـ لا ؟ أم أننا كنا نهرب من تعب الجري خلف الحصان لنرتمي في حضن كسل الحمار ؟
الملفت في الموقف أن الشايب راح لم ينتظر نقاشاً ولم يطلب تصفيقاً انسحابه هو إعلان بؤس وكأنه يقول لقد
وقع الفأس في الرأس والاستغراق في تحليل نهيق الحمار الآن لن يعيد صهيل الحصان الذي أضعتموه .
إن الحصان قد يرمح وقد يتعب صاحبه وقد يتطلب سايساً خبيراً لكنه في النهاية يوصلك إلى القمة أما الحمار
فهو مطيع لدرجة الموت لكنه لا يعرف طريق القمم بل يكتفي بالدوران حول نفسه في الساقية .
الدرس المستفاد قبل أن ترفضوا حصان اليوم بحثاً عن الخيال تأكدوا أنكم لا تفتحون الباب لـ حمار الغد بان
يتسيد الموقف .