في ظل الحصار المطبق على تعز، والأزمة المعيشية التي تفتك برواتب الأكاديميين التي أصبحت لا تغطي كلفة انتقالهم إلى قاعات الدراسة، نتفاجأ بقرار "جامعة المعافر". وهو قرار يطرح تساؤل جوهري حول الجدوى الحقيقية لتحويل فرع جامعة تعز بالتربة إلى جامعة مستقلة؟!
هل يحتاج أبناء الحجرية اليوم إلى تغيير في المسميات فقط، أم أن الأولوية هي إنقاذ جودة التعليم وتأمين الحياة المعيشية للكادر الحالي؟
لا يبدو لي أن هذا القرار إجراء إداري عادي، بل خطوة تثير الكثير من الريبة والتوجس في توقيت هو الأصعب في تاريخ المحافظة، حيث الحساسيات الجيو-سياسية والمناطقية ومشاريع التمزيق العابرة للحدود التي تحاول النيل من المحافظة.
التوسع في إنشاء هياكل إدارية ضخمة من رئاسة جامعة ونيابات وعمادات، في وقت تعجز فيه الدولة عن توفير المتطلبات الأساسية للأستاذ الجامعي، لهو تناقض صارخ في الأولويات. فبدلا من استنزاف الميزانية المحدودة في نفقات تشغيلية لكيان جديد، الأجدى رفع مستوى معيشة الكادر الحالي .
هذا الوضع سيجبر الجامعة الناشئة على الاعتماد المفرط على "المتعاقدين" لعجزها عن استقطاب الكفاءات، بل إن هذا هو وضعها الفعلي أساسا، ما ينذر بانحدار مخيف في جودة التعليم، وزيادة على ذلك لجوئها المحتمل لرفع الرسوم الدراسية لتمويل نفسها، ما سيثقل كاهل الأسر التي تعيش أصلا تحت خط الفقر.
بعيدا عن المبررات الرسمية والمجتمعية، يمكن قراءة هذا الاستقلال كخطوة نحو ترسيخ واقع سياسي يهدف إلى تفتيت الكيانات الكبيرة. خاصة وأن مدينة التربة بهذا القرار بدأت تأخذ طابعا إداريا مستقلا عن المركز في مدينة تعز، الأمر الذي سيضعف الرابطة المؤسسية التي جمعت أبناء المحافظة لعقود.
صياغة هوية خاصة بالحجرية منفصلة عن مدينة تعز في هذا التوقيت الحرج، سيغذي النزعات المناطقية وسيضعف الموقف السياسي والاجتماعي للمحافظة ككتلة صلبة واحدة في مواجهة التحديات الكبيرة التي تواجه المحافظة.
رغم الجوانب الإيجابية التي قد تبدو، كإتاحة تخصصات جديدة تخدم المنطقة الريفية وكذلك تخفيف الضغط على المدينة، إلا أنها لا شيء أمام المخاطر الاستراتيجية. فاستقلال "جامعة المعافر" سيحولها بمرور الوقت إلى بيئة محلية مغلقة، وهو ما سيفقد جامعة تعز التنوع الطلابي الذي كان يثري الحياة الثقافية كون الجامعة نقطة التقاء لجميع أبناء تعز .
إن تحويل العلاقة من تكامل بين الريف والمدينة إلى ندية إدارية يضعف بنية المحافظة وتماسكها الاجتماعي، ويحولها إلى مربعات وكانتونات معزولة تتنافس فيما بينها على الموارد المحدودة.
في الأخير، يبقى التساؤل الأبرز حول ما إذا كانت "جامعة المعافر" ستكون منارة للعلم أم أنها لا تعدو عن كونها أداة لتمرير أجندات التقسيم؟!
الشواهد على الأرض، بدءا من بقاء منطقة الحوبان مفصولة عن المدينة، وما تلا ذلك من إنشاء كيانات وقطاعات مستقلة في مناطق استراتيجية، تشير إلى توجه مقلق لتقطيع أوصال هذه المحافظة. والتجارب التاريخية تؤكد أن تفتيت المؤسسات الكبرى هو أقصر الطرق لإضعاف المجتمعات وتشتيت قواها الحية.
جمال العجيل
12-5-2026