عبدالرب السلامي
12 مايو 2026م
كتبت قبل أيام مقالا بعنوان (الجنوب العربي المزيف)، وقصدت به الكيان الاستعماري الذي صنعته بريطانيا أواخر الخمسينات، ولأن الفكرة لا تكتمل بنفي الزائف فقط، فسأكتب اليوم عن (الجنوب العربي الطبيعي) كما تؤكده حقائق التاريخ والجغرافيا.
الجنوب العربي هو اليمن:
وصف المؤرخون والمفسرون جنوب الجزيرة العربية بأسماء متعددة: العربية السعيدة، واليمن، ويمنت، والعربية الحميرية، وأسماها بعض المستشرقين بـالعربية الجنوبية، وحضارة الجنوب. وكلها تشير إلى مجال جغرافي واحد قامت فيه حضارات سبأ وحمير وحضرموت، وتشكلت فيه الهوية اليمانية التي اكتملت بالإسلام، وأكرمت بشهادة النبي ﷺ: (الإيمان يمان والحكمة يمانية).
هوية راسخة:
توالت العصور، وتغيرت أشكال الدولة، وتعددت اسماؤها، لكن التاريخ لم يذكر أن صراعا هوياتيا قد نشأ بين تلك الكيانات ومسمى (اليمن)، بل الثابت أن الهوية اليمانية العربية ظلت هوية جامعة لأبناء أقاليم جنوب الجزيرة العربية، يعتزون بها وينسجوها شعرا ونثرا ونقشا:
دَمّونُ إِنّا مَعشَرٌ (يَمانونْ)
وَإِنَّنا لأَهلِنـا مُحِبّـونْ
اليمن الحديث والجنوب العربي:
اليمن السياسي الحديث بدأ بالتشكل بعد الحرب العالمية الأولى، مثل بقية الاقطار العربية، وخلال قرن مضى عرف العالم خمسة نماذج للدولة، جميعها حملت اسم اليمن: (المملكة المتوكلية اليمنية، الجمهورية العربية اليمنية، جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية، جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، ثم الجمهورية اليمنية). أما اسم "الجنوب العربي"، فلم يعرف سوى أربع سنوات تحت وصاية المندوب السامي البريطاني، ثم انتهى برحيله.
القضية الجنوبية والجنوب العربي:
القضية الجنوبية نشأت في ظل دولة اسمها الجمهورية اليمنية، بعد وحدة دولتين كانتا تحملان اسم (اليمن)، وليس بينهما دولة اسمها "الجنوب العربي"، وبالتالي لن يكون حلها -من ناحية قانونية- إلا يمنيا، حتى لو انتهى إلى خيار الدولتين.
أما إصرار البعض على جعلها صراع هوية ضد اسم (اليمن)، فهذا لن يخدم القضية، بل سيزيدها تعقيدا ويحولها إلى أزمة مستدامة. كما أن ربطها بمصطلح اصطنعه الاستعمار سيجعلها تفقد بعدها الوطني ويحولها إلى ورقة مشاريع خارجية، فضلا عن كونه يفتح الباب لظهور قضايا موازية في حضرموت والمهرة وعدن، تزيد الجنوب تفككا.