آخر تحديث :الأربعاء-13 مايو 2026-12:26م

المعركة والحرب في الخليج؟!

الأربعاء - 13 مايو 2026 - الساعة 11:25 ص
د. عبد المنعم سعيد

معظم المحللين والمراقبين يعرفون جيداً الفارق ما بين «المعركة» التي تمثل جولة من جولات الصدام الكبير الذي يمثل تناقضات جوهرية بين أطراف من الدول؛ و«الحرب» التي تعني أن يتوقف الصدام تماماً ويكون بقدرة طرف حل التناقض لصالحه محققاً الأهداف التي وضعها في استراتيجيته العسكرية للحل. وضمن كمٍ هائل من المقالات والآراء التي تخرج يومياً من المطابع والمواقع، فإن مقال هارلان أولمان «ليت أحداً يحذّر أميركا كيف سينتهي هذا الأمر؟» في مطبوعة «ذا هيل» في 27 أبريل (نيسان) 2026، لفت النظر إلى ما يحدث في الحرب الجارية بين الولايات المتحدة وإيران. الفقرة الأولى في المقال تلخص الأمر: «خلال حرب العراق الثانية، تساءل الجنرال ديفيد بترايوس في كتابه الشهير: (أخبرني كيف سينتهي هذا). لا يوجد سؤال أكثر صلة بعملية الغضب الملحمي والحرب غير المعلنة والتي يحتمل أن تكون كارثية ضد إيران. منذ الحرب الكورية، لم تستوعب أي إدارة أميركية، باستثناء إدارة جورج بوش الأب، الدرس القائل بأن الجيش الأميركي، رغم براعته في كسب المعارك، عاجز عن كسب الحروب. كانت حرب العراق الأولى وعمليتا درع الصحراء وعاصفة الصحراء أمثلة نموذجية لكيفية الرد على العدوان المسلح. وقد أدرك أولئك الذين انتقدوا الرئيس بوش الأب لعدم زحفه إلى بغداد عام 1991 مدى كارثية ذلك عندما قام ابنه، الرئيس جورج دبليو بوش، بذلك تحديداً».

معلوم بالطبع ما حدث، وهو أن حرب العراق الثانية جاءت بعد الأولى التي التحمت فيها العراق مع إيران في حرب ضروس والتي انتهت بتجرع إيران كأس السم لم تكن في الحقيقة انتصاراً للعراق الذي وجد نفسه بعد انتهاء العمليات العسكرية عند حدوده الدولية، ولديه من الإرهاق المادي والمعنوي ما يدفعه نحو غزو الكويت والتي انتهت بتحريرها مع بقاء صدام. كان ذلك يعني كسباً للمعركة من جانب جورج بوش الأب، ولكن الحرب كانت خاسرة، لأن صدام بقي في الحكم ومعه ظَل عدم الاستقرار سائداً بعد هزيمته في «أم المعارك». جورج بوش الابن دخل معركة إطاحة صدام، ولكن انشغاله ببناء «الشرق الأوسط الجديد» ما لبث أن أدخله في معركة كبرى متعددة المراحل لم تنته إلا بالخروج من العراق كله. تحقيق الأهداف التكتيكية في المعارك لا يعني بالضرورة كسب الحرب وتحقيق أهداف نهائية في حسم الصراع.

الحقيقة هي أن الولايات المتحدة منذ الحرب العالمية الثانية انتصرت في معارك، ولكنها خسرت حروباً في النهاية. في الحرب الكورية (1950) وتحت قيادة الجنرال ماك آرثر نجم الحرب العالمية الثانية على الجبهة اليابانية دخل إلى كوريا لكي يخلصها من الشيوعية، ولكنه في النهاية دفع الصين إلى التدخل، وتقسيم كوريا بين «الجنوبية» و«الشمالية»، حيث تتخلص الأولى من الشيوعية وتبقيها الأخرى، واليوم يفصلهما خط للهدنة وهو شاهد على السكون، ولكن الحرب لم تنتهِ بعد. لم يختلف الأمر كثيراً في الحرب الفيتنامية، فرغم أن الولايات المتحدة بعد أن دمرت فيتنام الشمالية والجنوبية معاً في معارك كثيرة، فإنها خسرت الحرب كلها مع تمام تحرير الأولى للثانية وهروب جنود الولايات المتحدة من على سطح السفارة الأميركية في سايغون.

الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب دخلت في الكثير من المعارك وفي حرب الـ12 يوماً من يونيو (حزيران) 2025 أعلنت أنها مع إسرائيل نجحتا في كسب الحرب بعد أن تم تدمير جميع أدوات البرنامج النووي الإيراني ودفنه تحت الأنقاض. ورغم تحقيق هذا الهدف الاستراتيجي للحرب، فإن الولايات المتحدة سرعان ما عادت مرة أخرى مع إسرائيل في 28 فبراير (فبراير) 2026 لكي تطلبا معاً الخلاص من البرنامج والحصول على اليورانيوم المدفون تحت الرماد. وفي أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي جرى اقتحام فنزويلا وخطف رئيسها نيكولاس مادورو مع زوجته في معركة خاطفة باتت دافعاً للرئيس ترمب لكي تماثلها الحروب في الشرق الأوسط. اللحظة الراهنة في الحرب الإيرانية التي تحولت أولاً إلى نسيان الجهد الذي بذله الرئيس ترمب في طرح مبادرة للسلام في غزة وترك الأمر لإسرائيل لكي تتوغل في الضفة الغربية ولبنان مع بقاء الأحوال تقريباً على ما هي عليه في غزة حتى بعد وقف إطلاق النار. وثانياً أن الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران سرعان ما نتج منها العدوان الإيراني على دول الخليج العربية التي كانت الولايات المتحدة قبل سنة واحدة مضت قد شهدت أكثر آيات الازدهار في التعاون الاقتصادي والتكنولوجي أثناء زيارة ترمب للمنطقة.