في قراءة باردة لمشهد الكيانات السياسية اليمنية، يبرز "المؤتمر الشعبي العام" كحالة استثنائية يصعب تصنيفها ضمن المعادلات الحزبية التقليدية.. هذا الكيان، الذي صاغ ملامح الجمهورية لعدة عقود، لم يكن عبارة عن حزب يقدم برامج انتخابية، و دولة بمؤسساتها الكاملة.. إنه "ظاهرة" امتدت بجذورها إلى نسيج المجتمع ذاته، حتى بات الخلط بين انتماء المواطن له وبين هويته الوطنية أمراً شائعاً.
هذا الثقل التاريخي هو بالضبط ما يجعل محنة المؤتمر اليوم مؤلمة ومربكة في آن.
في السنوات الأخيرة، تشكل انطباع خاطئ مفاده أن "قيادة المؤتمر" هي مجموعة من الأسماء التي تظهر في مؤتمرات صحفية دورية، تعقد غالباً في قاعات فنادق عربية أو أوروبية.. أولئك الأشخاص، مهما تعددت تصريحاتهم ولقاءاتهم، يعيشون في فضاء موازٍ.. هم يتحدثون باسم "شرعية" الحزب، لكن من الصعب العثور على أي رابط حقيقي بين ما يفعلونه وما يعانيه "قاعدة" المؤتمر الحقيقية.
هذه القاعدة ليست في الفنادق.. إنها في صنعاء الكبرى، وفي ذمار، وعمران ، وإب، وحجة، وصعدة، والحديدة.. تعيش تحت سيطرة ميليشيا مسلحة تعمل وفق أجندة طائفية و خارجية.. تحت هذا الاحتلال، لا تعني القيادة بالفنادق شيئاً، ولا تفيد "العضوية" الورقية في تخفيف قسوة حصار أو منع اعتقال أو تأمين رغيف خبز.
ما يحدث خارج اليمن ليس استعادة للمؤتمر، بل هو استعادة لوظائف ومخصصات.. إنه تحول من كيان جماهيري يمثل ثقلاً وطنياً إلى مجرد أداة لتوزيع نفقات شخصية وتدوير مناصب وهمية.. هذا هو الفارق الجوهري الذي يجب أن يفهمه كل من لا يزال يضن بأن "القيادة الخارجية" تمثل الحقيقية.
السؤال الحقيقي ليس: "هل يمكن استعادة المؤتمر؟" بل: "كيف وحدها يمكن استعادته؟"
أي فحص واقعي للخريطة اليمنية يُظهر أن غالبية المعاقل التاريخية للمؤتمر تقع اليوم تحت سيطرة جماعات تتبع ولاية الفقيه في طهران.. هذه الجماعات لا تؤمن بالتعددية السياسية، ولا تقبل بوجود كيانات تنافسها على تمثيل اليمنيين.. خيارها الوحيد هو الاستيعاب القسري أو التصفية الجسدية للمنافسين.
في هذا السياق، يصبح أي حديث عن "إصلاح المؤتمر" من بعيد مجرد هراء سياسي.. لا يمكن الإصلاح مع ميليشيا تحتل مؤسسات الدولة وتحرق البيوت وتصادر الأراضي.
السبيل الوحيد، إذن، هو خيار وحيد: الالتحاق بمشروع المقاومة الوطنية بكل تفاصيله.. ليس كخيار تكتيكي مؤقت، بل كاستراتيجية وجود.
ماذا تعني "المقاومة الوطنية" بالنسبة للمؤتمر؟:
_إعادة تعريف الولاء: جعل "وطنية" الكيان فوق أي اعتبار فئوي أو شخصي.
_ فك الارتباط بنموذج "الدولة الفندقية": إعلان أن أي قائد لا يقيم تحت القصف ولا يشارك في المعاناة اليومية هو قائد غير شرعي أخلاقياً.
_بناء جبهة تحرير حقيقية: الانخراط في تنسيق عملي مع كل قوى المقاومة الوطنية على الأرض، ليس لتقاسم السلطة لاحقاً، بل لتحرير الرقعة الجغرافية أولاً واستعادة الدولة والعاصمة المختطفة صنعاء.
والختام: تحية جمهورية لكل مقاوم، وعلى المقاومة السلام.